حمزة الزيات ( ابن الزيات )

ابن الزيات
(هـ ـ 233هـ)
هو أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن أبان بن حمزة المعروف بابن الزيات وزير المعتصم بن الرشيد من خلفاء بني العباس.
يروى أن جده أبان كان رجلا من أهل جنل من قرية الدسكرة يجلب الزيت من مواضعه إلى بغداد فنبغ حفيده محمد بن عبد الملك هذا في الأدب واللغة والنحو.
قال ميمون بن هرون الكاتب إن أبا عثمان المازني لما قدم بغداد في أيام المعتصم كان أصحابه وجلساؤه يخوضون بين يديه في علم النحو فإذا اختلفوا فيما يقع فيه الشك يقول لهم أبو عثمان ابعثوا إلى هذا الفتى الكاتب يعني ابن الزيات المذكور فاسألوه واعرفوا جوابه فيفعلون ويصدر جوابه بالصواب الذي يرتضيه أبو عثمان ويوقفهم عليه.
وقد ذكره دعبل بن علي الخزاعي في طبقات الشعراء وذكره أبو عبد اللّه هرون بن المنجم في كتاب البارع وأورد له شعرا.
كان ابن الزيات في أول أمره من جملة الكتاب وكان أحمد بن عمار بن شاذي البصري وزيرا للمعتصم فورد على المعتصم كتاب من بعض العمال فقرأه الوزير عليه وكان في الكتاب ذكر الكلأ فقال له المعتصم ما الكلأ؟ فقال لا أعلم. وكان قليل المعرفة بالأدب. فقال المعتصم خليفة أمي ووزير عامي. وكان المعتصم ضعيف الكتابة. ثم قال أبصروا من بالباب من الكتاب فوجدوا محمد بن الزيات المذكور فأدخلوه إليه. فقال له ما الكلأ؟ فقال الكلأ العشب على الإطلاق فإن كان رطبا فهو الخلا فإذا يبس فهو الحشيش وشرع في تقسيم أنواع النبات. فعلم المعتصم فضله فاستوزره وحكمه وبسط يده.
حكى أبو عبد اللّه البيمارستاني أن أبا حفص الكرماني كاتب عمرو بن مسعدة كتب إلى محمد بن عبد الملك المذكور:
«أما بعد فإنك ممن إذا غرس سقى غرسه، وإذا أسس بنى أسسه، وبناؤك في ودى قد وهي وشارف الدروس، وغرسك عندي قد عطش وأشفى على اليبوس، فتدارك بناء ما أسست وسقي ما غرست».
قال البيمارستاني فحدثت بذلك عبد الرحمن العطوي فقال في هذا المعنى يمدح محمد بن عمران بن موسى بن يحيى بن خالد بن يرمك:
إن البرامكة الكرام تعلموا
فعل الجميل وعلموه الناس
كانوا إذا غرسوا سقوا واذا بنوا
لا يهدمون لما بنوه أساسا
وإذا هم صنعوا الصنائع في الورى
جعلوا لها طيب البقاء لباسا
فعلام تسقيني وأنت سقيتني
كأس المودة من جفائك كاسا
آنستني متفضلا أفلا ترى
أن القطيعة توحش الإيناسا
للوزير ابن الزيات أشعار رقيقة منها قوله:
سماعا يا عباد اللّه مني
وكفوا عن ملاحظة الملاح
فإن الحب آخره المنايا
وأوله يهيج بالمزاح
وقالوا دع مراقبة الثريا
ونم فالليل مسود الجناح
فقلت وهل أفاق القلب حتى
أفرق بين ليلي والصباح
وله أيضاً قوله:
ظالم ما علمته
معتدلا عدمته
مطمع في الوصال
ممنع حين رمته
قال إذا أفصح البكاء
بماء قد كتمته
لو بكى طول عمره
بدم ما رحمته
رب هم طوبته فيه
وغيظ كظمته
وحياة سئمتها
والهوى ما سئمته
وقال متغزلاً وروي أن السبب في ذلك أنه كان يعشق جارية من جواري القيان فبيعت لرجل من أهل خراسان فأخرجها قيل فذهل عقل بن الزيات وأغمي عليه ثم أنشد:
يا طول ساعات ليل العاشق الدنف
وطول رعيته للنجم في السدف
ماذا تواري ثيابي من أخي حرق
كأنما الجسم منه دقة الألف
ما قال يا سفا يعقوب من كلف
إلا لطول الذي لاقي من الأسف
من سره أن يرى ميت الهوى دنفا
فليستدل على الزيات وليقف
ومن شعره يرثي جاريته وقد خلفت له ابن ثمان سنين وكان يبكي عليها فيتألم بسببه قال:
ألا من رأى الطفل المفارق أمه
بعيد الكرى عيناه تنسكبان
رأى كل أم وابنها غير أمه
يبيتان تحت الليل ينتحبان
وبات وحيدا في الفراش تجيبه
بلابل قلب دائم الخفقان
فهبني أطلت الصبر عنها لأنني
جليد فمن للصبر بان ثمان
ضعيف القوى لا يعرف الصبر جسمه
ولا يأتسي بالناس في الحدثان
ولابن الزيات رسائل بليغة العبارة وقد أكثر فحول شعراء زمانه من مدحه ومنهم أبو تمام والبحتري ومن قول الأخير فيه من قصيدة:
وأرى الخلق مجمعين على
فضللك من بين سيد مسود
عرف العالمون فضلك بالعلم
وقال الجهال بالتقليد
ولإبراهيم بن العباس الصولي فيه مقاطيع بعبث فيها به، منها قوله:
أخ كنت آوي منه عند ادّكاره
الى ظل آباء من العزّ شامخ
سعت نوب الأيام بيني وبينه
فأقلعن منه على ظلوم وصارخ
وإني وإعدادي لدهري محمدا
كمس إطفاء نار بنافخ
وقال من ذلك:
دعوتك من بلوى ألمت ضرورة
فأوقدت عن طعن على سعيرها
وإني اذا أدعوك عند ملمة
كداعية عند القبور نصيرها
ولما مات المعتصم وقام بالأمر بعده ابنه الواثق باللّه هرون نشده ابن الزيات قوله:
قد قلت إذ غيبوك وانصرف
وافي خير قبر لخير مدفون
لن يجبر اللّه أمة فقدمت
مثلك إلا بمثل هرون
فأقره الواثق على ما كان عليه في الوزارة بعد أن كان ساخطا عليه في أيام أبيه وحلف يمينا مغلظة أنه ينكبه إذا صار الأمر إليه. فلما ولى أمر الكتاب أن يكتبوا ما يتعلق بأمر البيعة فكتبوا فلم يرض ما كتبوه، فكتب ابن الزيات كتابة رضيها وأمر بتحرير المكاتبات عليها فكفر عن يمينه وهو يقول: عن المال والفدية عن اليمين عوض، وليس عن الملك وابن الزيات عوض.
فلما مات الواثق وتولى المتوكل كان في نفسه منه شيء كثير فسخط عليه بعد ولايته بأربعين يوما وأمر بالقبض عليه ومصادرة أمواله، وكان السبب في ذلك انه لما مات الواثق باللّه أخو المتوكل أشار ابن الزيات بتولية ولد الواثق وأشار القاضي أحمد بن أبي داود بتولية المتوكل واهتم بذلك كل الاهتمام حتى عممه بيده وألبسه البردة وقبله بين عينيه وكان المتوكل في أيام الواثق يدخل ابن الزيات فلا يأبه به ولا ينزله منزلته من الكرامة متقربا بذلك إلى الواثق فحقد المتوكل عليه من أجل ذلك فلما تولى الخلافة أقره على الوزارة حتى لا يخفى أمواله فتفوته وأخذ القاضي احمد بن ابي داود يغريه على ابن الزيات وكان بينهما جفاء، فأمر المتوكل بالقبض عليه ومصادرة أمواله فلم يجد عنده غير مائة الف دينار وهي ثروة دون ثروة أمثاله في تلك الأيام ووجد المتوكل أنه فقد بفقده أكبر معوان على تذليل صعوبات الملك فقال للقاضي أحمد بن أبي داود أطمعتني في باطل وحملتني على شخص لم أجد عنه عوضا.
وكانت قتلة ابن الزيات من أشد القتلات هولا فإنه هو نفسه كان وهو وزير قد أمر بصنع تنور من الحديد غرز داخله مسامير محددة فكان يأمر بأن يوضع فيه أرباب الدواوين المطالبين بالأموال وغيرهم ممن يرى ضرورة تعذيبه فلما قبض عليه المتوكل ورأى وجوب قتله أمر به قألقي في هذا التنور بعد أن أثقله بخمسة عشر رطلا من الحديد. فلما ألقى فيه قال له يا أمير المؤمنين ارحمني. فأجابه بقوله: الرحمة خور في الطبيعة. وهي كلمة كان يقولها ابن الزيات لمن كان يسترحمه ممن يلقيهم في تنوره. وبعد أن أقام في التنور مدة طلب دواة وقرطاسا وكتب للخليفة هذه الأبيات:
هي السبيل فمن يوم إلى يوم
كأنك ما تريك العين في النوم
لا تجزعن رويدا إنها دول
دنيا تنقل من قوم إلى قوم
وسيرها إلى المتوكل فاشتغل عنها ولم يقرأها إلا في الغد فلما وقف عليها أمر بإخراجه فجاؤوا إليه فوجدوه ميتا وذلك في سنة (233)هـ وكانت مدة اقامته في التنور أربعين يوما. ولما مات وجد في التنور بخطه بفحمة.
من له عهد بيوم
يرشد الصب إليه
رحم اللّه رحيما
دل عيني عليه
سهرت عيني ونامت
عين من هنت لديه
قال أحمد بن الأحول لما قبض على ابن الزيات تلطفت إلى أن وصلت إليه فرأيته في حديد ثقيل فقلت له يعز علي ما أرى فقال:
سل ديار الحي من غيرها
وعفاها ومحا منظرها
وهي الدنيا إذا ما أقبلت
صيرت معروفها منكرها
إنما الدنيا كظل زائل
نحمد اللّه الذي قدرها
ولما جعل في التنور قال له خادمه: يا سيدي قد صرت إلى ما صرت إليه وليس لك حامد. فقال وما نفع البرامكة صنعهم؟ فقال ذكرك لهم هذه الساعة. فقال صدقت.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جرجس شلحت

جرجس شلحت (1285 ـ 1346هـ ـ 1868 ـ 1928م) جرجس بن يوسف بن رافائيل بن ...