داوود قسطنطين الخوري

داوود قسطنطين الخوري
(1860 ـ 1939م)
أصله ونشأته:
هو المرحوم داوود بن قسطنطين داوود الخوري المعروف بقسطون الخورية، بزغ الفقيد في سماء حمص في اليوم الثاني من شهر شباط سنة 1860 ميلادية وعاش في كنف والديه، فنشأ على منهج الصيانة والكمال، تعلم مبادىء القراءة والكتابة والحساب في المدرسة الوطنية التي هي الكتاتيب في الجيل الماضي، وأخذ عن والده اللغة العربية وآدابها، ولما شب أولع بالمطالعة فاقتنى الكتب العلمية التي نهل منها ما كانت تصبو إليه نفسه من العلوم، فكانت المطالعات الشخصية مدرسته الكبرى، وقد نبغ وفاق فكان كوكباً ساطعاً في سماء الأدب والفن والتأليف والتمثيل، ذاع صيته واشتهر أمره في الأقطار العربية، وكان له الفضل والقدح المعلّى بتثقيف أغلب ناشئة حمص، وانتفع بفضله خلق كثير وتخرج على يديه ما لا يحصى من التلاميذ، وتقديراً لنبوغه وخدماته الكبيرة لوطنه وللمدارس أهدته الجمعية الامبراطورية الفلسطينية سنة 1881 وسام القديس فلاديمر.
كان بدء عهده بالتدريس سنة 1888 ميلادية، وظل مواصلاً الدرب، محتملاً ألوان النصب في أداء هذه المهمة إلى أن دخلت تركيا الحرب سنة 1914 فانقطع عن التدريس لاقفال المدرسة، وتوقفت جريدة «حمص» عن الصدور، وكان محررها ومديرها المسؤول. ولما وضعت الحرب أوزارها وعادت الجريدة والمدرسة إلى الحياة أبى العودة إليها التماساً للراحة؛ وهو صاحب الفضل الأول بنشر أصول علم مسك الدفاتر في الأوساط التجارية.
كانت للفقيد علاقات معروفة بجمعية الاصلاح العربي التي كان من زعمائها شهداء العرب أمثال عبد الحميد الزهراوي ورفيق سلوم.
علمه وفنه:
كان الفقيد آية باهرة في الذكاء والنباهة، فاستثمر قلمه ومواهبه في سبيل النفع العام وخدمة المجتمع، وهو يجيد التكلم باللغتين التركية واليونانية، وله المام باللغة الفارسية، وأشغل وظائف حكومية في حمص ودمشق فكان خير قدوة في الحرص على النهوض بواجباته المسلكية، أما العلوم الرياضية والطبيعية والموسيقية، فكان فيها كالبحر الزخار، عليماً بألحان الفن وأوزانه، يهوى الفنون التركية واليونانية، وقد تأثر بألحانهما فمزجها بمقطوعاته الغنائية والتمثيلية فجاءت في غاية الروعة والانسجام.
وكان من أبرز نواحيه الفنية ولعه بفنون التمثيل والتأليف يسبك الحقائق في قالب الخيال، فيصور الاخلاق والحوادث تصوير فنان بارع، ويرى السعادة صنو الهدوء يلتمسها في ساعات العزلة والتأمل، فتجود قريحته الوقادة بالدرر والنفائس الادبية والفنية، ومن رواياته التي اشتهرت في الآفاق «جنيفاف، اليتيمة المسكوبية، الصدف المدهشة، عمر بن الخطاب، العجوز، الابن الضال، يهوديف، جابر عثرات الكرام»، وهناك غيرها من الروايات الصغيرة والهزلية وقد فقد بعضها. ولاقت الروايتان الأولى والثانية نجاحاً قل نظيره، وأعيد تمثيلها مراراً، فرواية جنيفاف وضعت ومثلت في حمص سنة 1890 ميلادية ومثلت مئات المرات في جميع الاقطار العربية من قبل ممثلين هواة ومن قبل فرق من أشهر المحترفين لفن التمثيل، ومثلت مرة في سان باولو من قبل تلاميذه سنة (1900) ميلادية، ثم أعيد تمثيلها أربع مرات في سنين مختلفة، وله مع المرحوم الاستاذ يوسف شاهين الحمصي رواية سميراميس. وكانت أناشيد الرواية وألحانها من وضع وتلحين الفقيد كما وان أناشيد رواية كورش الوحيدة للمرحوم يوسف شاهين كانت من ألحانه البديعة، وكانت رواياته غنائية من نوع الأوبريت.
علاقاته الفنية:
لا مندوحة عن ذكر بعض الوقائع التي لها صلتها وأهميتها بتاريخ حياته الفني، فقد أكد الذين كانوا على اتصال وثيق بالفقيد أنه كان فناناً غاوياً، وهو من أنبغ تلامذة أبي خليل القباني الفنان المشهور، ومن زملائه في الفرق التمثيلية عطا الأيوبي رئيس الحكومة السورية ونيقولا شاهين والد وزير المالية السابق جورج شاهين والسيد عزت الاستاذ وغيرهم من كرام الأسر الدمشقية العريقة.
فقد أدرك القباني وعي المترجم الفني الجامح لما تعرف عليه في عهد وظيفته بدمشق بواسطة الوالي مدحت باشا فكان الشاعر والمؤلف والملحن في فرقة القباني التمثيلية فقربه إليه، ومثلت رواياته في مسرحه التمثيلي بدمشق ونالت استحسان الجمهور واعجابهم بمغزاها ومعناها وألحانها، ونهل الفقيد من فنون القباني العبقري ولازمه حتى وقعت نكبته المشهورة بنهب مسرحه ونزوحه عن البلاد السورية إلى مصر، كما وإن روايات المترجم قد مثلت في مصر واشتهرت كالشمس التي تضيء الاكوان والبصائر.
أوصافه:
كانت أوضاعه الخاصة مع الاهلين وعلاقاته مع الشعراء والفنانين علاقات حب وتقدير متبادل، وكان كل من تعرف به يكبر صفاته وأخلاقه الفاضلة ومناقبه الحميدة، كان هادىء النفس طويل الأناة عميق الحس، سريع البديهة والالهام، صفياً وفياً مخلصاً للجميع محباً للسلام، يسعى جهده لأزالة بذور النفور والخصام. يضحي لذلك بالكثير من وقته وراحته، بعيد النظر في أسرار الحياة وهو من سكونه عالي الهمة نبيل القصد خالي الغرض، لا يعرف في أداء الواجب ليناً أو هوادة، كان ينظر إلى العالم بعين الروح لا بعين المادة، لم يتقاض درهماً على مؤلفاته وكفى روحه اطمئناناً أنه كان يخدم الوطن وأعمال البر ودور الثقافة، لا يرد طلباً إذا استطاع إلى تحقيقه سبيلاً، يكره الشهرة وحب الظهور، كان تواضعه ووداعته على قدر نصيبه من العظمة، وهما سر عظمة هذا النابغة في أخلاقه الخاصة، وترى العظماء الذين تركوا أبلغ الأثر في حياة الناس كانوا خلواً من الادعاء والزهو.
كان بيته مرتع الأدباء والفضلاء والشعراء والفنانين من حمصيين وغيرهم يتمتعون بمعشره الأنيس وطرائف رواياته ونكاته وبسمته السحرية التي لا تفارق شفتيه. يقص على جلسائه من وقائع الماضي وعبر الأيام فيصغون إلى أفانين أحاديثه بالجوارح والأفئدة، يخاطب الناس بسهولة تنفذ إلى القلوب وتعمل فيها عمل السحر. تربطه مع أسر حمص الكبيرة علاقات. وكانت صلاته الموروثة مع أسرة آل الجندي وثيقة العرى بشكل خاص، وكان أخاً حميماً للمرحوم أبي الخير الجندي الشاعر والمتفنن المشهور، وان ما ذكره الفقيد في منظوماته الشعرية وفي البيتين القديمين اللذين عارضهما بمناسبة تاريخية واقعية ومطلعها (مررت على المروءة وهي تبكي)؟ صورة واضحة تعبّر عن الحقائق فقال؛.
مررت على المروءة وهي تزهوفقلت لِمَ إزدهاؤك يا فتاةفقالت كيف لا أزهو وأهليبنو الجندي نصيري والحياةشعره:
كان الفقيد شاعراً فصيحاً انقادت لبلاغته القوافي فكانت طوع يراعه، صادق العاطفة ينظم ويؤلف عندما يختلج قلبه لحادث أو لمشهد، منظوماته وليدة الشعور الحي لا نسيج الصنعة، وهو مع تعلقه بالعربية الفصحى حتى في أحاديثه الخاصة تراه في شعره يراعي البساطة والسلاسة والانسجام في المعاني والالفاظ. لقد تسامى الفقيد بشعوره الفياض واستثمره في الغايات المثلى لخدمة المجتمع والوطن وتعزيز اللغة العربية وبث روح الوطنية وإذكاء شعلتها في قلوب الناشئة بأناشيده الحماسية والأخلاقية فقد كانت نواة صالحة وأسلوباً لطيفاً مؤثراً لانهاض هم أبناء العروبة.
بني العرب الكرام أولى الحميةوأرباب الوفا والأريجيهومنها ـ.
لأنتم في الورى خير الأكارموأرباب المحامد والمكارمفمنكم معن زائدة وحاتمومنكم كل ذي نفس أبيهومنها ـ.
ألا يا معشر العرب الأكابرويا أهل المآثر والمفاخربكم لغة حوت أسمى الجواهربدر اللفظ والمعنى غنيهفإن فضلتم لغة الأجانبعليها تزدرون بكل واجبفذي أم المعارف والمطالبفأعلوا مجد ذي الأم الوفيةإلى أن قال ـ.
فإن لم أحترم نفسي وجنسيأضع قوميتي وجلال غرسيفيا لغة الجدود فدتك نفسيفدومي يا حياة العرب حيهنزوحه مع عائلته إلى البرازيل:
وقبل مغادرته الوطن إلى البرازيل أقيم له عدة حفلات وداعية كانت أجملها حفلة جمعية (نور العفاف) صاحبة المستشفى الخيري في حمص وقد أهدته عمدتها وساماً ذهبياً تقديراً لخدماته الجليلة لهذه الجمعية الراقية. لقد شاءت الأقدار أن يلتحق الفقيد بأولاده المغتربين في البرازيل وأن تحرم البلاد السورية من نبوغه وعبقريته، فسافر عام 1926 ميلادية يطلب من ولديه الكبيرين توفيق والسيد البيرتو، فاحتفلت الجاليات السورية بمقدمه وابتهجت وانهالت عليه الطلبات من المؤسسات الخيرية والأدبية في سان باولو لاقامة الحفلات والروايات التمثيلية فأخذ يلبي طلب الجميع، وترأس النادي الحمصي في سان باولو سنة 1927 فازدهر وتعززت وارداته المالية بما أقامه من حفلات. ومثل رواية (اليتيمة المسكوبية) ولاقى صعوبات في انتفاء الممثلات وتلقينهن الأدوار والألحان، وذلك لندرة الفتيات اللواتي يجدن اللفظ العربي، ومع ذلك فقد لاقت الرواية المذكورة وغيرها نجاحاً باهراً وقرظتها الصحافة العربية وكثيرون من الأدباء.
شوقه وحنينه لوطنه:
ومع أن الفقيد كان بين أولاده وأصحابه والمعجبين بعبقريته في وطنه الثاني البرازيل فقد غلبه الوجد والشوق والحنين إلى الوطن العزيز وتلمس ذلك في منظوماته التي وصف بها بلده حمص العزيز فقال:
ما لي فتنت صبابة بهواكوزلال مائك واعتلال هواكعاصيك في فردوس روضك طائعمنه يفيض اليمن في يمناكصبحاً أراك وكل شيء باسمفي حين طرف غمام أفقك باكهذا دمي هو من دماك منحتهفمن المرؤه أن يكون فداكأناإن كنت عنك ابتعدت فإن منقلبي وبين جوانحي مثواكإني أحن إلى رباك تشوقاوإلى المدى يا حمص لا أنساكلك في جناني يا جناني عطفةأحيي بها طول المدى ذكراكوهذه بعض أبيات تجلى فيها مدى غرامه وأشواقه بوطنه:
لي لذة في ذكر مجد ربوعيلكنه ذكر يسيل دموعيذكر به أرجو لقلبي راحةفيثير نار الوجد بين ضلوعيإن أنس سوريا فما أنا بابنهاالوافي وما حبي لها طبيعيفأنا الولوع بحبها من صبوتيوالبعد عنها لا يزيل ولوعييا أيها الدهر الذي أقصيتنيأتجود لي يوماً بحسن رجوعيومن هاتين القصيدتين البليغتين وغيرهما مما جادت به قريحته في المهجر يعبق شذى حبه النقي وإخلاصه لسوريته العزيزة وحمصه الحبيبة، وقد أحدثت هذه القصائد والأناشيد أثراً بليغاً في أوساط الجالية والوطن وضربت على وتر حساس في القلوب فأيقظت روح الشوق إلى الوطن الأم، وأذكت أناشيده الرائعة وجداً لاهباً وحنيناً والهاً ودفعت المهاجرين بلباقة وكياسة إلى البذل للوطن المفدي، ولم تزل الحفلات تزدان بسحر أناشيده وألحانه فتمتزج الذكريات بدموع الحنين وهذا نموذج منها.
حبوا الأوطان السوريةبأرق عواطف حبيةتلك الجنات العربيةجنات الأنس القدسيةإلى أن قال:
حييت أيا أرض الشاميا أفق ضيا المجد الساميورفعت منار الأعلامهي راية دولة سورياوفاته:
وفي اليوم السادس عشر من شهر شباط سنة 1939 هوى نجم ارتقى هام السها ووطأ هامة الأدب والفن بمواهبه وفنونه، فأضاءت شهب روحه الثريا وألحد الثرى مع أسرار فنونه ألمع عنصر أنجبته حمص بمآثره ومناقبه الحميدة، فأقامت له الجاليات العربية في سان باولو حفلات تأبينية كبرى وأروعها حفلة الجالية الحمصية في سان باولو، إذا اشتركت فيها جميع مؤسسات النزالة على اختلاف المذاهب والاقاليم وأكابر رجال العلم والأدب والفن. ثم جاءت حفلة الجالية في نيويورك فأفاض الشعراء والكتاب برثائه. وفي مقدمتهم شعراء الثلاثة نسيب عريضة، وندره حداد، وبدري فركوع وهم من تلامذة الفقيد، فقد نعوه وبكوه وأبنوه بقصائدهم الخالدة، الا إنهم تبعوه سريعاً إلى الاخدار السماوية فالتقت أرواحهم في عالم الأرواح. وتلقت حمص نعي ولدها البار النابغة بوجوم وحزن وأسف، فناحت على فضائله كنواح الثكلى، وتمنت حمص لو ضم ثراها الندي رفات من تباهت بنبوغه واعتزت بعبقريته وبكاها بلوعة اشتياقه وحنانه.
وقد كرمت حمص ابنها البار وخلدته تقديراً لمواهبه بتسمية أحد شوارعها الرئيسية الذي يتصل بشارع الإمام محمد عبده وشارع أمية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محمد العطار

محمد العطار (1717م ـ 1744م) هو ابن عبيد بن عبد الله بن عسكر الشهير بالعطار ...