عبد الحميد الزهراوي

عبد الحميد الزهراوي
(1288هـ ـ 1334 هـ/1871م ـ 1916م)
ولد شهيد الوطنية الفقيد المرحوم عبد الحميد بن محمد شاكر بن السيد إبراهيم الزهراوي بمدينة حمص سنة (1288) هجرية ـ (1871) ميلادية من أسرة عريقة في قدمها ووجاهتها، وهي تنحدر من أصلاب سيدنا الحسين رضي الله عنه. درس علومه على علماء عصره وأجهد نفسه على التحصيل ومطالعة الكتب في كل فن حتى بلغ في ثقافته شأواً عظيماً.
وفي سنة (1308) هجرية ـ (1890) ميلادية سافر ثانية إلى الاستانة بقصد السياحة فأقام فيها برهة وجيزة، ثم سافر منها إلى مصر. وهناك اجتمع بكثير من الفضلاء والأدباء وجرت بينه وبينهم مطارحات شعرية ارتجالية فكان موضع الاعجاب والتقدير، وبعدها رجع إلى حمص فأصدر جريدة سماها (المنبر) فكان ينتقد أعمال الحكومة وجورها وتعسفها، والحكومة بعد ذلك منعت الجريدة وصادرت اعدادها.
وفي سنة (1313) هجرية ـ (1895) ميلادية سافر ثانية إلى الاستانة بقصد التجارة، ولما كان المجتمع العربي والوضع السياسي بحاجة إليه فقد ترك التجارة وعكف على مطالعة العلوم والفنون في دور المكتبة العمومية، وكان يحرر في جريدة (المعلومات) العربية المقالات الادبية والاصلاحية فكان كالمهند الصارم شديد الوطأة في ذاك العهد، فوضعه السلطان عبد الحميد تحت المراقبة ثم عين قاضياً لاحد الالوية فلم يقبل، وكان القصد من تعيينه إبعاده عن جو العاصمة للحد من دعاياته وأفكاره المؤثرة. وبعد أن أوقف تحت المراقبة أربعة أشهر أرسل إلى دمشق (باقامة جبرية) براتب شهري قدره خمسمائة قرش ذهبي.
وفي خلال إقامته بدمشق كتب رسالة في الامامة ورسالة في الفقه والتصوف نقد بعض المسائل فيها وبحث في الاجتهاد، فثار عليه العامة، وجمعهم الوالي ناظم باشا في مجلسه للمباحثة والمناظرة في موضوع رسالته، فكانت الإيحاءات السياسية المسندة إليه كافية لابعاده عن دمشق التي أقام فيها سنة وستة أشهر، فأرسل مخفوراً إلى استانبول وأقام فيها نصف سنة، ثم أرسل محفوظاً إلى وطنه حمص (باقامة اجبارية) وأنتجت قريحته الوقادة عدة مؤلفات منها كتاب (نظام الحب والنبض) وترجمة السيدة خديجة أم المؤمنين ورسالة في النحو وأخرى في المنطق وغيرها في علوم البلاغة والمعاني والبيان والبديع وكتاب في الفقه وله مخطوطات كثيرة بقيت مسودة بخطه وله شعر لطيف في كل باب.
وفي سنة (1320) هجرية ـ 1902 ميلادية ضاق ذرعاً من إقامته الاجبارية ففر هارباً من حمص إلى مصر، واشترك في إدارة تحرير جريدة (المؤيد) المصرية ونشر فيها مقالات مفيدة مشهورة، ولما حصل الانقلاب العثماني وأعلن الدستور انتخب عن حمص نائباً في مجلس (المبعوثين) ـ النواب ـ فكان صوته في المجلس من أقوى الأصوات في سبيل خدمة أمته وبلاده.
وفي خلال الدورة الأولى لمجلس المبعوثين أصدر الفقيد في الاستانة جريدة (الحضارة) وكان من مؤسسي حزب الحرية والائتلاف المؤسس لمعارضة حزب الاتحاد والترقي.
حادثة 31 مارس الشهيرة:
وفي أول سنة من نيابته وقعت حادثة 31 مارس الشهيرة، فقد حاصر الجند المجلس النيابي بحجة الارتجاع عن الدستور وقتل المرحوم محمد بك أرسلان مبعوث اللاذقية برصاص الجند في باب المجلس ورمى بعض النواب بأنفسهم من النوافذ العالية وتحطموا خوفاً من القتل وفرّ الكثير منهم حفظاً لحياتهم وبقي الشهيد الشجاع مع بضعة أشخاص ثابتي الجأش وهم يخابرون المراكز بالهاتف ويذكرون الواقعة وما هم فيه من خطر. ويأس الشهيد من هذا الحصار فاخترق صفوف الجند بلا اكتراث حتى وصل إلى منزله وانفض الجمع، فثباته في مثل هذا الموقف الحرج يدل على استهتاره بالحياة ومدى عقيدته وجرأته، وعلى أثر هذه الحادثة التي شاع خبرها حتى بلغ الرومللي بشكل مجسم زحف محمود شوكت باشا بجيوشه ليضرب الآستانة لحماية الدستور والتنكيل بالارتجاعيين والانتقام ممن أثاروا هذه الفتنة، فأرسلت الحكومة إذ ذاك هيئة مؤلفة من الأعيان والمبعوثين لمقابلة القائد الزاحف وإبلاغه حقيقة الحال، فكان الشهيد العظيم من أعضاء تلك الهيئة، فاستقبلوه في (اياستفانوس) من ضواحي الآستانة وأوقفوه على جلية الأمر حتى سكن غضبه ودخل بغير حرب.
وفي أواخر هذه الدورة للمجلس حصلت مناقشة حول المادة (35) من القانون الأساسي ووقع الخلاف الشديد فانفض المجلس وتجدد الإنتخاب ثانية فعاد المترجم إلى وطنه، وأوحت الحكومة الإتحادية بعدم انتخابه نائباً، وعاد إلى استانبول وتابع الإشتغال بالصحافة، وبعدها سافر إلى مصر وانتخب رئيساً للمؤتمر الذي انعقد في باريس لاجل مطالبة الحكومة التركية بالإصلاحات اللازمة لبلاد العرب وكان مدة إقامته في باريس موضع الإعجاب والتبجيل، واهتمت الحكومة الإتحادية لوجوده في باريس فاوفدت وفداً إليه لاقناعه بالعودة وإجابة مطالبه، فعاد إلى الآستانة وعين عضواً في مجلس الأعيان ليشرف على انجاز وعدهم.
ثم بدأت الحرب العالمية الأولى وأعلن جمال باشا القائد العام في البلاد السورية الإدارة العرفية.
وفي ليلة السبت 4 رجب سنة (1334) هجرية و23 نيسان سنة 1916 ميلادية عدم هذا النابغة العظيم بدمشق الشام مع جملة من وجهاء البلاد السورية بلا محاكمة ولا سؤال.
وكان لسان حاله يقول:
يا جزع نح وابك واندب جثة خلقت
من يوم (قالوا بلى) للضنك والمحن
وحي أهلا وجيرانا وآونة
حي الرفاق وحي سائر الوطن
حباً بصالحهم اضحيت فديتهم
ليقطفوا ثمراً من راحتي جنى
وربما جهل الناس أنه رحمه الله كان شاعراً مبدعاً قوياً في أسلوبه، ومن ألطف شعره القصيدة العصماء التي نظمها أثبت منها بعض أبياتها ليقف المطلع على رسوخ قدمه وبعد أفكاره وحسن يقينه واعتقاده وقوته في النظم والبيان والبديع.
لا تكذبنّا بالصبر
لا تخدعينا يا فكر
ان الحقائق تحت طي النـ
ـشر فوق المنتظر
لكن برؤيتها دعاوى النـ
ـاس تعيي من حصر
وسوى سراب لم يروا
والآل كم عز النظر
أنى التصور يا حجا
للسر في هذي الصور
الكون مبني على الـ
ـحركات كل في قدر
ومنها ـ.
دع عنك دعوى واستمع
قولا مفيداً مختصر
الناس عثر في الغزو
ر ولاجئون إلى الغرر
دعوى بها يسلون ما
يلقون من تعب وضر
فهمو رهان الكدح ما
داموا وتلك هي السير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لطفي الحفَّار

لطفي الحفَّار (1306 ـ 1387هـ/1888 ـ 1968م) لطفي بن حسن بن محمد الحفار. مولده ووفاته ...