عبد الرحمن الزيات

عبد الرحمن الزيات
(1902م ـ 1937م)
أصله:
ولد المرحوم عبد الرحمن الزيات بن طاهر في حمص عام 1902 وكان يسكن مع والده في حي باب السباع ويتعاطى أفراد هذه العائلة المهن الحرة ويعيشون من كد يمينهم وعرق جبينهم تصونهم الكرامة من العيش بالحلال وهي مزية امتازت بها الطبقات الكادحة العاملة.
كانت هذه العائلة موسيقية بالفطرة، فإذا صدف أن أنشدت المولد النبوي الشريف في هدوء الكون راح الطرب في نشوة التجلي يدفع الناس للوقوف والاستماع إلى بشر تعلو أصواتهم على البلابل في الإنشاد البديع، ولما أصبح يافعاً اشتد ميله إلى الفن والأخذ عن اسطوانات الغناء فكان يحكم التقليد ويحفظها أكثر اتقاناً من ملحنيها واشتهر أمره وذاع صيته فكان الناس يتهافتون لسماعه بكل شغف وهو خجل حساس لا يرد طلب من دعاه.
نشأته الفنية:
ولما انتشرت أدوار وموشحات وقصائد الفنانين المصريين تهافت على حفظها من الأسطوانات، وكان كثير التردد لزيارة الوجيه السيد مصطفى الباكير البرازي في قرية، طلف، إذ كان غاوياً يقتني الأسطوانات التي كانت تباع بأسعار غالية فيجد لديه ما تصبوا إليه نفسه، فكان يجعل طبقة العود الذي يعزف عليه مطابقة لدرجة الإسطوانة ويسمعها ويعيدها مرات فيحفظها ويجيد انشادها أكثر من المصريين أنفسهم.
كان رحمه الله يحفظ الأدوار والموشحات القديمة للحامولي والمينلاوي ومحمد عثمان وداوود حسني والقباني وغيرهم من مشاهير الفنانين ولما انتشرت أدوار وموشحات المرحوم الشيخ سيد درويش المشهورة تلقاها بشغف وانكب على حفظها فكان يفتن الناس بآيات فنه وسحر صوته.
ولا نكران بأن لشقيقه الفنان البارع السيد عبد الغني الزيات وهو أكبر منه سناً وأقدر منه فناً الفضل في توجهيه حتى بلغ قمة المجد بفنه وصوته المصقول.
تطوره الفني:
وفي عام 1920 إلى عام 1924 ظل الشيخ سيد الصفتي الفنان المصري المشهور يتردد على حمص فكان مسرحه منهلاً عذاباً لعشاق الفن للاستماع إلى المغنى الجديد من ألحان الشيخ سيد درويش وغيره، وكان المرحوم الزيات في سن العشرين آنذاك يسترق السمع بشغف، ولما تم التعارف بينهما طلب منه أن يغني ما يريد فانبرى الفقيد يغني الموشح الرائع القديم (راعي اليواقيت العذاب) فاعترت الصفتي دهشة من قوة صوته وحسن تنقله من نغمة الراست ودخوله في دور الزنجران (في شرع مين ذل الهوى) والسبب في إنشاده موشح الراست المذكور هو لعدم وجود موشح ملحن من نغمة الزنجران الصعبة حتى ذلك العهد، حتى قام المرحوم عمر البطش الحلبي بتلحين وصلة من الموشحات على هذه النغمة. وقد شهد له الفنان المصري بحسن التقليد والإجادة وقوة صوته النادر ووضوح نبراته وتأثير نغماته في النفوس واشتدت الصلات الفنية بينهما فكان لا يفارقه طيلة مدة إقامته، وقد طلب الشيخ منه أن يأخذه معه إلى مصر لتتسع آفاق فنه فعز عليه فراق أهله وأصحابه. ولما حضر الموسيقار محمد عبد الوهاب إلى حمص وسمع صوته قال له حرام أن تبقى هنا وفيك هذا الصوت النادر وألح عليه بالسفر معه إلى مصر فلم يرض، وكذلك عرض عليه السيد سامي الشوا فأبى أيضاً.
فنه:
كان يلحن القصائد التي يروق لذوقه اختيار قوافيها ومعانيها فيغنيها على الواحدة بوزن قوي خال من كل هفوة فنية، ومن أبرز قصائده التي لحنها لنفسه والتي كان يؤثر بعواطف المستمعين فيتركهم سكارى فنه وإبداعه هي قصيدة الفارض.
قلبي يحدثني بأنك متلفي
روحي فداك عرفت أم لم تعرف
وكان يردد قصائد المرحوم الفنان محي الدين بعيون وهي نسج طراز خاص وينشد قصيدته (أنا في الحب صاحب المعجزات) فيبدع في تقليدها.
يعتبر المرحوم من الطراز الأول في إنشاد المواويل فلا يبارى ولا يجارى في هذا المضمار فإذا غناها سحر الألباب منها انشاده:
من يخبر القوم عني يا كرام الحي
بأن نفسي قد ماتت وقلبي حي
بالله ذاك الحمى النجدي عني حي
وقل على الوصل يا حادي الركائب حي
ويأتي الفقيد في الدرجة الثانية بعد المرحومين الحاج محمد الشاويش ونجيب زين الدين، أما في الحفظ فإنه يمتاز عنهما لاعتنائه الكثير في ذلك.
صفاته:
كان رحمه الله دمث الأخلاق لين الطباع ذكياً لا شطط ولا اغترار في نفسه وفنه، وسيم الوجه مشرق الجبين حلو القسمات، يلبس الكوفية والعقال لصلعة في رأسه وكان عشاق فنه إذا غلبهم الطرب ونشوة التجلي اندفعوا يقبلون رأسه ويمزحون قائلين (قبّلوا الحجر الأبيض) كما يقبّل الحجاج الحجر الأسود في الكعبة الشريفة.
كان عزيز النفس، يعيش من فنه كغاوٍ ولم يحترف ولو شاء الاحتراف لحالفه التوفيق وفاق على معاصريه.
دبيب المرض:
لقد كان مصيره كمصير زميله الفنان كميل شمبير، فقد كانت حياته قصيرة كحياة النحلة التي تجهد النفس لتمون الناس بشهدها الصافي، فقد أنس رحمه الله للمرض وظل حياته الأخيرة في هذا الجحيم يستعذب الآلام ويرحب بالشقاء وقد صبر على أوجاعه وآلامه في صمت وسكون، وكانت تثير كوامن عواطفه قصائد الشعراء الصوفيين التي كان يتغنى بها وهي تنطق بالتوجع ولوعة المحبين، وبالرغم من أن الهزال قد دب في جسمه فلم تنطفىء له بهجة ولم تذبل له عينان، وإذا آنسه عشاق فنه بزياراتهم بعد أن حس بألم الفاقة وبؤس الحرمان قابلهم بالسكون وانهمار الدموع وتذكر ماضيه باحتراق وأسى واشتعلت نار النحيب والأشجان في قلبه، ولكن المرض امتد به وجثم الفقر على حياة هذا الفنان، والفقر والفن صنوان لا يفترقان ويندر أن ترى فناناً مكتفياً في حياته، فتاريخ الفنانين كله فواجع.
من منا ينسى الزيات وهو يغني، عيناه خداه ابتسامته،. كل أسارير وجهه تشترك مع نفسه الطروبة، فإذا غنى وعزف على عوده حرك القلوب والأشجان ويتفق احياناً أن يغني المطرب وهو متأثر بحادثة أو أن تكون في الدور الذي يغنيه معان تتصل بعواطفه أو الحالة التي هو فيها وعندئذ يصبح المغني كفرد من الجمهور الذي يسمعه ويتأثر بغنائه حتى أنه ليبكي.
وفاته:
كانت ترتع في مخيلة افكاره عهد صباه وحبه، فإذا تذكر عجز عن تحمل الصدمة وانفجر بالبكاء والنحيب وكأنه شعر بدنو الأجل، لكن المرض قد تزود من الأقدار بما تضعف أمامه كل وسيلة وتنمحي لديه كل محاولة وحيلة، فأخذ يشتد على هذا الجسم الضئيل ويغالب هذه الروح القوية، وتنازعت الحياة والموت أيهما يظفر بهذا الجسم، فلمع بريق الموت الذي له من الجبروت والسلطان ما تصغر أمامه قوة الإنسان واستمر في نضال وصراع حتى كان صباح يوم عيد الأضحى المبارك عام 1937 ارتفعت روحه مطمئنة إلى السماء بعدما عانت آلامها على الأرض فكانت حمص في مأتم على فقده، ووقف زميله الفنان المرحوم نجيب زين الدين يودعه النظرة الأخيرة وهو يبكي ويؤبنه بأن الفراغ لا يسد بوفاته.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبدو بن الحاج محمد عبدو

عبدو بن الحاج محمد عبدو (1864 ـ 1939م) ولد هذا الفنان بحي قسطل الحرامي بحلب ...