عبد المجيد الملا

عبد المجيد الملا
(1918م ـ م)
مولده:
هو بن المرحوم حسين علي الملا ولد في صباح يوم الاثنين الموافق 11 تشرين الثاني 1918م وجده الاعلى هو أوس بن حارثة بن لام الذي يقول فيه الشاعر:
إلى أوس بن حارثة بن لام
ليقضي حاجتي فيمن قضاها
فما وطىء الحصا مثل ابن سعدى
ولا لبس النعال ولا احتذاها
وهو رئيس طي القبيلة العربية المعروفة، وقد رحل جده من نجد واستوطن العراق و(لام) هي قبيلة معروفة في العراق يقطن أكثرها لواء العمارة، ويمتد نسب أمه إلى موسى الكاظم، كان أهلها يسكنون (عانه) فانتقلوا منها إلى حديثه، ثم وضعوا رحلهم في بغداد، وكانت حينذاك طفلة لم تتجاوز السنتين من العمر، وعاشت في بغداد وتزوجها والد المترجم وهي ابنة ثمانية عشر عاماً فعاش معها أربع سنوات، ثم توفي وهو ابن اثنين وعشرين عاماً، بعد ستة أشهر من ولادة الشاعر المترجم فتركه وأخاه (رشيد) يعيشان يتيمين.
نشأته:
نشأ بكنف والدته، وبدأت مخايل النجابة والذكاء تبدوان على الطفل اليتيم، فأدخل بعض الكتاتيب وهو ابن أربع سنوات، فحفظ القرآن الكريم في أقل من ستة أشهر. ثم جيء به إلى المدرسة وهو ابن خمس سنوات فرفضه المدير متذرعاً بصغر سنه، وتوسط السيد حسن الحاج محمود الذياب وهو من أسرة معروفة في بغداد فاقتنع المدير بعد أن أخبره بأنه قد ختم القرآن فأدخله في الصف الأول، فاجتازه والثاني والثالث في سنة واحدة، وكان سبب اجتياز هذه الصفوف في سنة واحدة، أن معلم الصف كتب آية من القرآن الكريم على اللوح الخشبي وطلب من الطلاب قراءتها، فلم يستطع أحد منهم ان يفعل ذلك، فنهض الطالب اليتيم الصغير وقرأها مسرعاً في تلاوتها، فترك المعلم الصف وبعد برهة جاء ومعه المدير وطلب إليه أن يتلو الآية مرة أخرى فتلاها، وبعد التشاور بين المدير والمعلم اقتاد الطالب الذي لم يرض به أولاً إلى الصف الثاني بعد أن طبع قبلة على جبينه.
وفي فحص نصف السنة كانت نتائجه باهرة فتقرر نقله إلى الصف الثالث وفي الفحص النهائي كان الأول في صفة، أي بعد أن اكمل السادسة من العمر تجاوز الصف الثالث الابتدائي، وكان بالإضافة إلى حافطته القوية يتمتع بصوت عذب، وقد حفظ الأناشيد المدرسية فكان قرة أعين أساتذته بنبله وذكائه.
كفاح الحياة:
واشتد الزمان وذهب الأعوان، ووجد اليتيم العصامي نفسه أمام الحياة وحده وأنه يجب أن يعيش وأن يعيل، فقطع طريق درسه الرسمي بعد أن تخرج من دار المعلمين سنة 1938م، وعين معلماً في لواء الديوانية ومنها إلى لواء الناصرية، وأمر مدير معارف المنطقة أن يرمي هذا المعلم الجديد في زاوية نائية منقطعة عن الناس فصبر ورضي، وأكمل السنة الدراسية هناك وهو يتلظى على الجمر، وعاد إلى بغداد يفعمه الشوق، ومما يذكر أنه قال في إحدى أمسيات غربته قصيدة يلوم فيها قومه ويقرعهم على نسيانه نقتطف منها ما يلي:
نسوك حياً وإذا مت لم
ينسوك يا ذل قليلي الحياء
وكم نسوا قبلك من نابغ
حتى إذا ما مات عز العزاء
كأنهم من قبل لم يذنبوا
وأعظم ذنب السادة الأغبياء
الدراسة الخاصة:
وبعد مضي تلك السنة ترك التعليم، وراح يقصد مشايخ العلم وأعلامه فأخذ عنهم النحو والصرف والبلاغة والأدب، وأقبل على حفظ الشعر بنهم شديد، فبلغت محفوظاته أكثر من خمسين ألف بيت من الشعر وكان حينذاك تحت وطأة خانقة من الضيق بالحياة.
تطور حياته:
كان هذا الشاعر جباراً يكافح الحياة وأمارات الانفعالات النفسانية والذكريات الموجعة تبدوا على محياه وقد صهرته الآلام فجادت قريحته بأروع القريض البليغ، وفي بداية سنة 1943 حاز السبق لوظيفة تدريس علم الأخلاق في الكلية العسكرية فعين أستاذاً محاضراً، وترك التدريس فيها بعد سنة وعين في عدة وظائف في أمانة العاصمة ببغداد، وتولى مراقبة اللغة العربية في دار الإذاعة العراقية ثم تركها وعين الآن مفتشاً لوحدة الكاظمية في بغداد.
مؤلفاته المطبوعة:
لقد كان انتاجه الأدبي يفوق النسبة بين عمره وانتاجه، فالشاعر الشاب لم يتخط الخامسة والعشرين من عمره حينما وضع مؤلفاته وأخرجها فلاقت رواجاً في المجتمع الأدبي، وطارت شهرته كشاعر وأديب محقق ومؤلف، وهو الآن لم يزل في أوج شبابه وفجر نبوغه، وهذه آثاره الأدبية.
1 ـ (روح الاخاء) وهو كتاب يبحث في الاخاء وما يجب أن يكون عليه، وقد ألفه سنة 1939، 2 ـ هواجس الوحدة 3 ـ العروض في أوزان الشعر وقوافيه 4 ـ علم البيان وهو موجز في هذا الفن 5 ـ خواطر عابرة 6 ـ شرح وتحقيق ديوان العباس بن الاحنف 7 ـ حديث الصباح.
أما مؤلفاته المخطوطة فهي: 8 ـ الإخاء عند ابن المقفع 9 ـ نوادر الإعراب 10 ـ الزجل العراقي وقد حاضر منه عدة محاضرات في محطة الشرق الأدنى 11 ـ وثلاثة دواوين شعرية عنوانها (غزل)، من وحي الإخاء وأشتات.
شعره:
يقوم هذا الشاعر الشاب بمجهود جبار في خدمة الأدب العربي وإعلاء شأنه بعد الفترة المظلمة والنكبات التاريخية المتتالية التي انتابت بلاد الرافدين.
يمتاز أسلوبه الشعري بغزارة تصوراته وبراعة وصفه وقوة لغته، وينطوي على صراحة ونبوغ، يهيم بالروح ويقدر الناس على قدر ما يملكون من روحيات وفي قصيدته (دموع الشعر) يصف حالة الأديب في جوه الحزين وما يكتنفه من نحس وشقاء في حياته فيقول:
رمتك الليالي بسهم القدر
فأصمت وأخفت وجوه النظر
والقت عليك رداء الهموم
وإن الهموم غشاء البصر
فظلت حزينا قليل النصير
غريز الدموع أليف السهر
تناجي الهموم بقلب كئيب
ونفس تجنت عليها الغير
دعاك الزمان لهذا الشقاء
وأنت الخبير فهل من مفر
ودبت إليك صروف القضاء
بليل تبرأ منه السحر
فتاه الدليل ومل الزميل
ودب العناء وأبكي الضجر
ورف السهاد على مقلة
تعلم منها النجوم السمر
حياة الأديب تريك الحياة
جحيماً يعذب فيها البشر
ودنياه درس بعيد المنال
كثير الشجون عظيم الأثر
تريب الخطوب فيزجي البيان
متين البناء رفيع الخطر
يموت لتحيا نفوس الورى
ويشقى ليحسن عنه الخبر
يحن وتقسو عليه القلوب
حنين النجيب إذا ما ادكر
فأن لم يصاعد يقولوا هذي
وإن لم يوفق يقولوا هذر
جزاء عجيب جزينا به
يذيب النفوس يذيب الحجر
إلام إلام يظل الأديب
حزينا يناجي القضا والقدر
أيبكي الأديب على نفسه
وتبكي الأديب جفون السهر
ولهذا الشاعر ولع في الرياضة فقد وصف لاعب الكرة وصفاً رائعاً لم يسبقه اليه أحد من الشعراء فقال:
بصرت به والحزم ملء إزاره
تخال به ذعرا لوى باصطباره
مضى خلفها كالريح يسبق ظله
تفر ولا تنفك رهن أساره
يخادع فيها خصمه فيضله
يكر ولا يدري أوان فراره
يناقلها إن ضاق فيها خصومة
ويمضي إذا ما شق طوق حصاره
يمر بها كالأفعوان محاذرا
فتحسبه ذا جنة من حذاره
له عصبة حفت به من يمينه
وأخرى زهاها الفوز من عن يساره
وتلقي له خصما هنا متوثبا
وآخر مشتاقاً إلى أخذ ثاره
ولكنه يمضي وللنصر نشوة
ليدنو مما يشتهي من ثماره
ويقبل مثل البرق للهدف الذي
أعد له ما يبتغي لانتصاره
وأبصره الحامي وقد جد جده
فلم يدر ماذا يتقي من شراره
له مقلة لا تستقر وهمة
تسامى وعزم آمن من عثاره
فأدبر مزورا وأقبل غاضبا
ترى الحزم في إقباله وازوراره
وفي غفلة من حرصه وإبائه
أتاه القضا فيما جرى من خساره
وراح اخو النصر اليمين بنشوة
نواسية تطفي لهيب أواره
لقد أسعد مؤلف هذا السفر التاريخي الحظ فتعرف خلال رحلته إلى العراق بهذا الشاعر العبقري، ولقي منه بالغ الحفاوة والتكريم وقد اطلع على مؤلفاته المخطوطة، فشاقه أكثر شيء غزله الذي يعبر عن لهفة حارة ووجد عميق في جو من الفضيلة فقال يصف فتانة:
فتانة الاعطاف والنظرات
هل تسمعين توجعي وشكاتي
هاتي يمينك فالفضيلة بيننا
حصن ترد عن الهوى نزواتي
والطهر خفاق على بسماتنا
يوحي الغرام معطر النسمات
روحي وروحك يرنوان كلاهما
للحب للاحلام للنشوات
الحب العذري:
وأحب الشاعر الشاب مرتين في حياته الأولى، وهو في دور المراهقة، وقد بلغ ان افتتن بحبيبته ونظم فيها ديواناً شعرياً، ومما يؤسف له أن ديوانه هذا قد احترق مع مكتبة له ثمينة، وكاد هو يحترق مع الديوان ولكن الله سلم، وقد ماتت الحبيبة قبل احتراق الديوان أما الثانية، فهي لم تزل حبيبة قلبه التي تغذي أدبه بعاطفة عامرة من الحب والوفاء، هذا وإن ديوانه (غزل) كان من وحي تلك الحبيبة، ويبدو أنه يبني روائعه وجذله وابتهاجه من وحيها لتخليدها، فهو يراها مثالاً رائعاً للحب والصدق فيه، ونرجو ان يصدق ظنه فيها لا سيما وهي شاعرة مثله تنظم أرق الشعر وأجمله وإن قصيدته (انت طيري) فيها نشوة خالدة للمحبين الصوفيين ويتجلى من خلالها لآلىء شعره:
جمع الشوق فؤادينا وغنى وسقانا
وتعانقنا وراح الليل يطوي ما عنانا
غير همس تتجلى فيه آلام هوانا
إنها نشوة عمري يوم رحنا نتفانى
وتثنت وهي في غنج وسحر
ثم قالت وهي ترتاح لصدري
(أنت طيري لا لغيري)
(أنت كأسي أنت خمري)
ليلة لم تفن إذ تفنى بديعات الليالي
قد مضت لكنها لم تمض من دنيا خيالي
حين جاءت تتهادى بين تيه ودلال
تملأ الدمعة عينيها سرورا بالوصال
وتثنت وهي في غنج وسحر
ثم قالت وهي ترتاح لصدري
(أنت طيري لا لغيري)
(أنت كأسي أنت خمري)
وتساقينا كؤسا لم تزل تملأ نفسي
ذكريات شاخصات عذبة ترهف حسي
من فمي تسقي وأسقى فمها الظمآن كأسي
وغفونا وصحونا والهوى يذكي ويرسي
وتثنت وهي في غنج وسحر
ثم قالت وهي ترتاح لصدري
(أنت طيري لا لغيري)
(أنت كأسي أنت خمري)
ليلة قد نسى الدهر بها كل سهامه
فأمناه على خوف ولذنا في ظلامه
وتجلى الشوق فأرتحنا إلى دنيا ضرامه
ومضينا في حديث هو فيض من هيامه
وتثنت وهي في غنج وسحر
ثم قالت وهي ترتاح لصدري
(أنت طيري لا لغيري)
(أنت كأسي أنت خمري)
وأفترقنا والجوى والشوق يجتاح القلوبا
ومضت ترنو وأرنو وتناسينا الرقيبا
آه ما أروعها تدنو لتوديعي فتزداد شحوبا
أقبلت تختال سكرى تخجل الغصن الرطيبا
وتثنت وهي في غنج وسحر
ثم قالت وهي ترتاع لصدري
(أنت طيري لا لغيري)
(أنت كأسي أنت خمري)
صفاته:
متحمس لقوميته وللوحدة العربية، لا يدين للمادة ولا يعرف لها وزنا جريء في الحق، فإذا سيم خطة الخسف أو واجهة متغطرس بأمر صده بلغة لا تعرف اللين، فارس لا يجاري في ميدان المساجلات والمطارحات الادبية، جواد لا يعرف إلا الوفاء في تواضع ونبل.
اقترن سنة 1950م وانجب (العميد) وثلاث كرائم، اسمر اللون، مليء الجسم متوسط القامة مهيب الطلعة، فإذا قهره اليتم فقد تسلق سلم القدر بين مواكب الذكريات والخلود.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محمد العطار

محمد العطار (1717م ـ 1744م) هو ابن عبيد بن عبد الله بن عسكر الشهير بالعطار ...