عثمان الموصلي العراقي

عثمان الموصلي العراقي
(1854م ـ 1923م)
أصله ونشأته:
هو الحاج عثمان بن الحاج عبد الله بن الحاج فتحي بن عليوي المنسوب إلى بيت الطحان، ولد في بلدة الموصل سنة (1854) ميلادية وشاء القدر أن يعيش يتيماً فتوفى والده قبل أن يبلغ السبع سنين، وقسى عليه الدهر ففقد بصره على صغره ولما ترعرع تولته العناية الالهية فرآه المرحوم السيد محمود العمري وتفرس به النجابة والذكاء وأنه أهل للتربية والعطف فأخذه إلى بيته وخصص له من يحفظه القرآن الكريم بصورة الاتقان مع ما ينظم إلى ذلك من طيب الألحان فاتقنها كلها وحفظ ايضاً جانباً وافراً من الاحاديث النبوية الشريفة والسيرة المحمدية وحفظ من رقائق الاشعار وغرائب الآثار ما جمع فأوعى، كان سريع الحفظ لطيف اللفظ فنشأ قطعة من أدب وفرزدقة من لباب العرب. لقد كان رحمه الله ضريراً لكنه بكل شيء بصير، ينظر بعين الخاطر ما يراه غيره بالناظر وبقي في خدمة مربيه المرحوم السيد محمود العمري إلى أن توفاه الله.
ذهابه إلى بغداد:
وكان المرحوم احمد عزت باشا العمري بن السيد محمود العمري إذ ذاك في بغداد فزارها ونزل عنده يعيد ويبدي وفاء للحقوق التي يبديها ولا يخفيها متردياً بظاهرها وخافيها، فتلقاه ملاقاة الأب والأخ فتهادته اكف الأكابر وحفت به عيون الأصاغر، وتجلت آيات نبوغه الكامن العيان فأصبح في بغداد فاكهة الأدباء والظرفاء واشتهر أمره وذاع صيته بحسن صوته وقراءة المولد الكريم فأومض فيها برق اسمه وبقي في الزوراء تهب عليه ريح النعمة والرخاء حيث يشاء وأمسى وذاع صيته بحسن صوته وقراءة المولد الكريم فأومض فيها برق اسمه وبقي في الوزراء تهب عليه ريح النعمة والرخاء حيث يشاء وأمسى عند كل ذي جلدة ما بين الانف والعين وخلال مدة وجوده في بغداد حفظ صحيح الامام البخاري على المرحومين الشيخ داوود وبهاء الحق الهندي المدرس الثاني في الحضرة العلوية فكان يتقاضى على قراءة المولد النبوي مبلغ (50) ليرة عثمانية وهو مبلغ ضخم آنذاك نيفقها جميعاً على أصحابه والفقراء المعوذين، وتحدث الناس بسخائه فكانوا يصفونه بأنه أكرم من الغيث المنهمل على البطاح الظمأى. وسافر إلى الديار المقدسة فأدى فريضة الحج، ثم عاد إلى مسقط رأسه الموصل وقرأ فيها القراءآت السبعة على حيدرة العراق المرحوم محمد السيد الحاج حسن وأخذ الطريقة القادرية من المرشد المرحوم السيد محمد النوري.
سفره إلى الآستانة:
وكانت نفسه صراعاً بين القناعة والعيش في مجتمع محدود وبين الطموح للعيش في مجتمع أوسع مدى وحياة أفضل تظهر فيها آيات مواهبه وعبقريته، فتوجه من الموصل راحلا إلى للآستانة ونزل بغرفة في جامع نور العثمانية الكائن بحي (شنبرلي طاش) وقرأ في جامع أيا صوفيا الشهير جزءاً من القرآن الكريم وكان من أعظم القراء المجيدين، فأثر جمال صوته وروعة تجويده على مشاعرهم فأبكاهم وهرع إليه عظماء الآستانة من فضلاء وأدباء وفنانين يستطلعون خبر هذا القارىء الضرير، فطارت شهرته في الآفاق وأصبح قبلة المجتمع العلمي والفني وكان أول من التف حوله قراء الاتراك فأخذوا عنه علم التجويد، وتاق لرؤياه أكابر الامراء والعلماء والفنانين وغدوا يتهادونه ويدعونه إلى حفلاتهم للاستمتاع بروائع فنونه، ولما رأى ما وصل إليه حاله من عز وتقدير لمواهبه طابت له الاقامة واستحضر عائلته من الموصل واستأجر دارا صغيرة واقعة بجوار جامع نور العثمانية واقام مدة طويلة في الآستانة كانت ايام عهده من غرر الدهر.
رحلة الشتاء والصيف:
ولما برزت آيات نبوغه تولع به عظماء العراق ونوابها في مجلس المبعوثين امثال محمد وشاكر وعلاء الدين وحسام الدين من أسرة الالوسي المشهورة والشيخ يوسف السويدي وآل الحيدري والسيد محمد السكوتي والسيد ابراهيم الراوي شيخ الطريقة الرفاعية في بغداد رحمهم الله وهاموا بمواهبه وبفنونه افتتاناً فكانوا يأخذونه معهم إلى استانبول في الصيف ويعودون به إلى العراق عند موسم الزيارة في كربلاء ليقرأ لهم الراثي في اهل السبط الشهيد الحسين بن علي رضي الله عنهما ويرون بوجوده بالقرب منهم نعمة انعم الله بها على المجتمع، يتمتعون بروائع فنونه ومواهب صوته الشجي وبلاغة شعره ونثره وطرائف نكاته وافانين احاديثه.
فنونه:
لقد صدق المثل القائل (كل ذي عاهة جبار) فقد تعلق هذا النابغة الضرير بالفن الموسيقي فتعلم من تلقاء نفسه العزف على آلة القانون وهي كثيرة الاوتار صعبة المنال في ضبط مقاماتها، ثم تعلم العزف على الناي فأتى بغرائب الاعجاز، فكان لا يستعمل في قانونه العربات التي تستعمل عادة لاخراج انصاف الارباع، بل كان يتلاعب بأنامله واطراف اظافره فيخرج النغمات سليمة شجية مما لم يسبق لغيره ان أتى بمثله.
وتطاولت عبقريته على فناني الاتراك اللامعين فكانوا يرون انفسهم لا شيء بالنسبة لفنون هذا الضرير الجبار ويتسابقون لزيارته ويستقون من ورده الصافي اعذب الموشحات والالحان ويشهدون بأنه تحفة عجيبة وهبها الدهر للناس لينعم بعبقريته البشر.
ولما كان الفقيد النابغة شاعراً ضليعاً باللغتين التركية والفارسية فقد شهد له شعراء الاتراك والعجم بأنه اعجوبة الدهر.
علاقته بالشيخ الصيادي الرفاعي:
وتعرف في الآستانة على رجل الدولة وواحدها الصارم الهندي المرحوم الشيخ أبي الهدى الصيادي الرفاعي ونال حظاً وافراً من عطفه وأخذ عنه الطريقة الرفاعية وكان الصيادي رحمه الله يهيم حباً واعجاباً بفنونه وعلمه ويجل قدره ويعظم مواهبه ولا يسمح لأحد مهما علا شأنه من ضيوفه العظام بالتدخين في حضرته الا للضرير العبقري فقد (عرف الحبيب مكانه) فكان يتيه عجباً ودلالاً ويدخن في حضرته ويتبسط بالحديث معه للاستمتاع بفصاحته وخفة روحه وفنونه ودرر طرائفه ويستوحش لفراقه وينتظر زياراته له بفارغ الصبر.
واجتمع الموصلي بالصيادي في مجلس أنس وطرب فجادت قريحة الصيادي بنظم بيتين من الشعر الارتجالي فقال ـ.
قلت لما خفق القلب جوى
حين شامت قرطك الخفاق عيني
كنت لا تملك الا خافقا
فهنيئاً لك ملك الخافقين
وقد لحنها الموصلي على البداهة وغناهما من مقام الحجاز كار، فبكى الصيادي من روعة صوته الرخيم ولحنه البديع.
فاجعته بولده:
لقد ابتلى الدهر الفنانين واكتنف حياتهم بنكبات ومآسي، ومن درس تاريخ حياة النوابغ والعباقرة تحقق أن التنكيل بهم كان بالنسبة إليهم فواجع وأسى وحسرة وإلى البشرية نعمة، إذ لولا تلك الفواجع لما كانت هناك اجفان مقرحة وقلوب ممزقة فعصرت الآلام قرائحهم فجادت أصواتهم.
ومن هؤلاء العباقرة صاحب هذه الترجمة فقد أبى الدهر إلا أن يمعن بالقسوة عليه فعكر صفو حياته وهو في ذروة عزه ومجده الفني فاختطف الموت فلذة كبده الوحيد (يونس) وهو في ريعان شبابه، وقد ذهبت الفاجعة بلبه وبقي ساكناً لا تدمع له عين ورثاه بالمراثي المؤثرة المبكية، وقد ظفر بقلوب عطوفه ومشاعر كريمة، فكان الناس اذا شاهدوا قسمات وجهه وقد اكتست بانطباعات الأسى والحزن شاطروه أساه، وكأن الاقدار التي لا ترحم قد استحالت إلى ارواح حساسة فابتلته بهذه المصيبة ليحزن قلبه وتأتي قريحته ومواهبه بالخوارق.
بدائع ألحانه:
هناك طائفة من الفنانين جهلتهم اجيالهم وبعد وفاتهم عرف الناس اقدارهم فغمروهم بالثناء والاجلال، لقد اشتهر هذا العبقري الخالد، ولكن احداً لم يكتب عنه ونسيه الناس، أما الدهر الذي أصابهم بالمآسي اعتاد التنكيل ليجودوا بنفائسهم فهو لا ينساهم ويخلدهم بآثارهم ومآثرهم.
لقد أكد الذين عاشروا هذا الجبار المارد في الآستانة ان الوسط الفني فيها كان في أوج عظمته في عهده، وقد تطاول هذا الضرير الغريب بعبقريته على فطاحل الفنانين الأتراك واستصغروا شأن انفسهم وفنهم بالنسبة لجبروته الفني، فقد تجمعت في هذا النابغة مواهب عز نظيرها بغيره.
شعره:
كان قوياً في نظم قوافي الشعر، انقادت لقريحته الجبارة البلاغة والفصاحة بأبدع معانيها ومقامه في الشعر أجل من أن يحتاج إلى وصف، فكان المعجبون بعلمه وأدبه وفنونه لا يفارقون هذا الضرير الذي هو بحاجة للعطف والخدمة ويستعين بهم بكتابة ما يمليه عليهم من نظم ونثر ينفثهما من فيه كالدرر النفيسة، فإذا انتهى من النظم اصغى إلى ما يُتلى على مسامعه ونقح ببيانه البليغ ما شاء، واكد ذلك الذين احتاطوا به كظله بأنه ما كان يأتي به يحار في إدراكه افصح البلغاء، وهذه شذرات متفرقة من تخميسه قصيدة الإمام البوصيري الشهيرة (جاء المسيح من الاله رسولا) التي لم يقتحمها ناظم قبله ولا ناثر، وقد بدأ بتخميسها في مدينة بيروت وسماها (الهدية الحميدية) الشامية على القصيدة اللامية في مدح خير البرية) وهي قصيدة تجاوزت حد الاعجاب إلى الاعجاز حيث ما انشدت بمحضر إلا قالوا (ان هذا إلا سحر يؤثر).
سجعت بلابل صحفه وترنحت
سكراً وعن أوصاف طه افصحت
ظلمات نكر الخصم مهما لوَّحت
فالارض من تحميد احمد اصبحت
وبنوره عرضاً تضيء وطولا
ورق الأمان بها توالى سجعها
وسما على الحوض المكوثر نبعها
فيها تشرف من حواه ربعها
وتشرفت باسم جديد فادعها
حرم الاله بلغت منه السولا
يأتي لها من كل فج اعمق
شعث على النيب القلاص السبق
قد جاوزت عدل الغني المطلق
ونأت عن الظلم التي لا تتقي
لخضابه شيب الزمان نصولا
عين اليقين قد انجلت بظهوره
لأولي البصائر عند كشف ستوره
مذ زال عن قلبي عمى ديجوره
قارنت ضوء النيّرين بنوره
فرأيت ضوء النيّرين ضئيلا
ذو الطول انتج من سناه أهله
من نورها اكتست الكواكب حلة
هو ذا جلا عن كل عين علة
كالشمس لا تغنى الكواكب جملة
في الفضل مغناها ولا تفصيلا
ذو العرش كلمه بها متكرماً
بعلومه اذ لا مكان ولازما
عن وصفها ثغر المعبر ألجما
اذ لا العبارة تستقل لحمل ما
زيارته دمشق:
وفي سنة 1324 هجرية و1906 ميلادية غادر الفقيد العبقري استانبول وزار الشام وتجول في البلاد السورية وعاد إلى دمشق فتهاداه الأمراء والعظماء، وحضر حفلة ختان اولاد المرحوم عبد الرحمن باشا اليوسف، فقرأ الموالد النبوية بصوته الحسن فمنحه مئة ليرة ذهبية واجتمع لفيف من الشعراء ينشدون قصائدهم بمدح الباشا وتهنئته، وكان مسك الختام ما نظمه ذلك العبقري الضرير الذي كان فريد دهره في نظم تواريخ الحوادث.
سفره إلى مصر:
وسافر المرحوم صاحب هذه الترجمة إلى مصر وأقام فيها بضعة اشهر فالتف حوله اشهر العلماء والادباء والفنانين، وجرت بينه وبينهم مساجلات مشهورة، واخذ عنه القراء والفنانين احكام التجويد وبعض النغمات التركية واوزانها، وقد نوه عن فضله وعظمة فنه الموسيقار كامل الخلعي المصري بمؤلفه الشهير، ثم عاد إلى استانبول فاستقبله عشاق فنه وأدبه بشوق وهيام.
وكان رحمه الله بعد الانقلاب الحميدي سنة 1912 في عهد السلطان رشاد في استانبول.
مؤلفاته:
لقد وهب الله هذا الضرير الجبار مواهب فذة، فأتى بغرائب في النظم والفن والتأليف والتلحين، ولست ادري ما درجة نبوغه وعبقريته في نواح علمية أخرى فيما لو كان بصيراً، فقد ألف كتاب (ابيض خواتم الحكم في التصوف) وكتاب (نباتي) وكتاب (الطراز المذهب في الادب) و(الابكار الحسان) و(التوجع الاكبر بحادثة الازهر) و(رسالة مطبوعة بتخميس لامية الإمام البوصيري الشهيرة) وقام بجمع وتنقيح ديوان الشعر المسمى (الترياق الفاروقي) وهو نظم أستاذه ومربيه المرحوم عبد الباقي الفاروقي الموصلي شاعر العراق الأكبر وهو أكبر جهد قام به مؤلف ومدقق بالنسبة لهذا الضرير العاجز المتغلب بقوة جلده وصبره على الشدائد وله تخاميس وتشاطير كثيرة.
وله مؤلفات عديدة استأثر بها بعض ذوي النفوذ الذين كانوا يوفدون نساخاً لتدوين ما ينطقه.
وفاته:
وفي يوم الثلاثاء الثالث عشر من شهر جمادي الثاني سنة 1341هـ الموافق 30 كانون الثاني 1923م استأثرت المنون بروحه الطاهرة في بغداد، ودفن في جامع الخفاقين في بغداد واشترك اهلها بتوديع الراحل العظيم بمأتم عز نظيره وأفاض الشعراء في رثائه وتعداد مواهبه ومآثره الخالدة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبده الحمولي

عبده الحمولي (1845م ـ 1901م/ 1262هـ ـ 1318هـ) ولد عبده الحمولي بمدينة طنطا سنة 1262هـ ...