عصر سيطرة الأتراك 247 ـ 334 هـ

عصر سيطرة الأتراك 247 ـ 334 هـ
امتدت هذه المرحلة سبع وثمانين عاماً (247 ـ 334 هـ ) وقد تعاقب عليها اثنا عشر خليفة من المنتصر بالله الخليفة الحادي عشر إلى الخليفة المستكفي الثاني والعشرين من خلفاء بني العباس. وقد كان الخلفاء في هذه المرحلة ضعفاء يخضعون لسيطرة ونفوذ العسكريين الأتراك فلم يكن بيدهم شيء من الأمر. فالعسكر هم القوة والمتسلطون على الأمر، يخلعون خليفة ويبايعون آخر. وكانت بداية هذا العصر مع المنتصر بالله بن جعفر المتوكل وقد بويع بالخلافة بعد قتل أبيه عام 247 هـ. وقد اتهم الفتح بن خاقان بقتل أبيه وقتله بذلك. ولم تمتد خلافة المنتصر سوى ستة أشهر فقد مات بعد ذلك وبويع بعده عمه المستعين أما الإمارات فلم يتغير وضعها عن العصر الأول وبقيت محصورة بالمغرب العربي وفي دولة الأندلس كانت الإمارة لمحمد بن عبد الرحمن الثاني من عام 238 هـ وكانت دولة الأدارسة في خلافات داخلية شديدة، وأما دولة الخوارج الصفرية فكان عليها ميمون بن بقية. وأما دولة الخوارج الإباضية في تاهرت فكان إمامها أفلح بن عبد الوهاب. ودولة الأغالبة في القيروان يحكمها أحمد بن محمد الأول وكان الفتح الإسلامي وصل إلى جزيرة صقلية.
وبدأت تظهر في دولة اليمن دولة بني يعفر في صنعاء على يد أسعد بن أبي يعفر ودولة بني زياد في زبيد ومؤسس هذه الدولة إبراهيم بن يعفر (225 ـ 260 هـ ).
جاء المستعين إلى الخلافة عام 248 هـ ، فتنكر له القادة الأتراك فانتقل من سامراء إلى بغداد فبعثوا يعتذرون له، فلم يقبل اعتذارهم فحاربوه تحت راية المعتز ابن أخيه وطالت الحرب حتى تنازل المستعين عن الخلافة للمعتز وبايعه. وقد كثرت الحركات نتيجة ضعف الخليفة وتسلط القادة على أمور الدولة واستبدادهم بها وبالخليفة ثم بويع المعتز بالخلافة بعد خلع المستعين وكانت خلافته أربع سنين، وأما وضع كبار القادة فقد مات «أشناس» عام 252 هـ. وقتل «رصيف» عام 253 هـ فجعل المعتز ما كان لوصيف لبغا الشرابي لكنه قتل عام 254 هـ ، وعقد المعتز «لبايكباك» على مصر فأرسل إليها نائباً «أحمد بن طولون» عام 254 هـ ، وكان المعتز يخاف من صالح بن وصيف ويسعى للتخلص منه فاجتمع على دار الخلافة جماعة من الجنود الأتراك ومعهم صالح بن وصيف ومحمد بن بغا فأخرجوا الخليفة وأهانوه وخلعوه وألزموه البيعة لابن عمه المهتدي بالله محمد بن الواثق وكان ذلك عام 255 هـ.
ولم يحدث في عهده أي جديد بالإمارات سوى استيلاء يعقوب بن ليث الصغار على كرمان وفارس عام 254 هـ.
كان المهتدي بالله عادلاً بطلاً قوياً في أمر الله ولم يرضى عن تصرف القادة بسلفه وخاصة بعدما اشتد صالح بن وصيف كثيراً وطغى.
وكان موسى بن بغا في قزوين يقاتل الحسين بن أحمد المعروف بالكوكبي فهزمه، فاستدعى الخليفة موسى ليتقوى به على صالح. فطلب موسى بن بغا صالح بن وصيف ليناظره فيما قام به من أعمال شنيعة، فحاول المهتدي أن يصالحهما، فاتهمه موسى وجماعته بأنه يخفي صالحاً. ثم أعلن موسى أنه يعطي عشرة آلاف دينار لمن يأتي بصالح فوجد وقتل، فغضب الخليفة لهذه الأفعال التي لم يرضها. ففكر بالتخلص من كبار القادة وذلك بضربهم ببعض، وفهم القادة العسكريون هذه اللعبة فساروا إليه وقاتلوه ومن كان معه فقتل في رجب عام 256 هـ ، وانطلق العسكريون إلى أحمد ابن المتوكل وأخرجوه من السجن وبايعوه باسم المعتمد على الله.
مع هذه الفوضى التي انتشرت على عهد المهدي بسبب تسلط العسكر تحركت في نفوس الطامعين القيام بحركات أو الثورة على الحكم ولعل أخطر ثورة مرت في تلك الفترة وهددت مركز الخلافة هي ثورة الزنج التي ضمت العديد من العمال والفلاحين المحرومين من العيش الكريم والمستغلين من قبل أرباب عملهم ولكنهم ابتعدوا كثيراً عن هذه الغايات وضلوا ضلالاً كبيراً واعتدوا على المسلمين وعلى حرماتهم وأموالهم وكان صاحب الزنج هو علي بن محمد العبدي، وقد امتدت هذه الثورة حتى عهد المعتمد على الله. وقد ولي الخلافة عام 256 هـ. فأعطى ولاية العهد لابنه جعفر وولاه على المغرب وولى الخليفة أخاه الموفق بالله العهد بعد ابنه جعفر وأعطاه ولاية المشرق.
كان المعتمد قد انصرف في أكثر مدة حكمه إلى اللهو وكان قائماً بأمر الدولة أخوه الموفق بالله الذي تلقب بناصر دين الله. وعلى يده تم القضاء نهائياً على ثورة الزنج وقد بقي المعتمد على الخلافة 23 سنة كثرت فيها الحركات وزادت غارات الروم وقامت إمارات جديدة.
فقد ظهر الحسين بن زيد الطالبي وتمكن من السيطرة على طبرستان وخرج مساور بن عبد الحميد الخارجي والتف حوله رجال كثر، وراح يتعدى على الدولة حتى توفي عام 263 هـ.
وسيطر الخوارج على مدينة هراة واستمرت سيطرتهم عليها حتى استطاع يعقوب بن ليث الصفار القضاء عليهم بعدما بقوا فيها ثلاثون سنة.
كما استمر الزنج بتعديهم إلى أن استطاع الموفق رحمه الله القضاء عليهم وذلك عام 272 هـ.
كما ظهر القرامطة والإسماعيلية وانتشرت في بعض البقاع.
ومن جهة الحروب مع الروم فقد كانت كفة الروم في هذه المرحلة أرجح من كفة المسلمين وذلك لانشغال الدولة الإسلامية بحل خلافاتها الداخلية والقضاء على الثورات والحركات التي قامت ضدها.
فقد هاجم الروم سميساط وغلبوا عليها ثم انتقلوا إلى ملاطية وحاصروها إلا أن أهلها استطاعوا التغلب عليهم وردهم خاسرين. وفي عام 264 هـ دخل المسلمون بلاد الروم في أربعة آلاف مقاتل بإمرة عبد الله بن رشيد بن كاوس غير أنهم هزموا وأسر أميرهم. وفي العام التالي خرج بطارقة الروم في ثلاثين ألفاً إلى بلاد المسلمين من جهة «أضنة» ووصلوا إلى مصلى المدينة وأسروا 400 رجل من المسلمين.
وفي عام 270 هـ جاء مائة ألف من الروم بقيادة البطارقة ونزلوا قرب طرسوس، فخرج إليهم المسلمون وهزموهم وقتلوا الكثير منهم ومنهم بطريق البطارقة.
وعلى الإمارات الإسلامية كان في دولة الأندلس محمد بن عبد الرحمن الثاني واستمر حتى عام 273 هـ فخلفه ابنه المنذر فبقي في الحكم سنتين وخلفه أخوه عبد الله واستمر حتى عام 300 هـ.
وفي دولة الأدارسة كان أبناء الأسرة الواحدة يتنازعون فيما بينهم.
وأما دولة الخوارج الإباضية ودولة الخوارج الصفرية فلم يطرأ عليهم أي تغييرات تذكر. وكذلك دولة الأغالبة في القيروان. وفي اليمن قامت دولة بني يعفر دولة بني زياد وظهرت دولة جديدة في مصر وهي دولة الطولونية.
ثم بويع بالخلافة بعد المعتمد على الله ابن أخيه المعتضد بالله عام 279 هـ. وبقي خليفة حتى عام 289 هـ. وقد كانت أيامه طيبة كثيرة الأمن والرخاء وقد جدد ملك بني العباس من جديد وسار بالناس سيرة حسنة.
وفي أيامه زاد الغزو في بلاد الروم سواء كان عن طريق الثغور الشامية في طرسوس والتي كانت تحت أيدي الدولة الطولونية أم عن طريق ثغور الجزيرة. وكذلك كان السامانيون يقومون بالغزو فقد سار إسماعيل بن أحمد بن أسد الساماني عام 280 هـ إلى بلاد الترك وأسر ملكهم وزوجته (خاتون). وقد استطاع المعتضد من التخلص من أولاد زكروية الحسين ويحيى وولى الخلافة بعده ابنه المكتفي بالله عام 289 هـ وقد سار بالناس سيرة حسنة فأحبوه وقد انتشرت القرامطة على عهده كثيراً فانصرف لقتالهم وتمكن من قتل أولاد زكروية ثم من زكروية نفسه، كذلك قد تخلص من الدولة الطولونية بعد أن ضعف أمرهم. إلا أن الدعوة الشيعية قد قويت بالمغرب وانتشرت على نطاق واسع.
وعلى جبهة الروم كان المسلمون قد فتحوا على عهده أنطاليا عنوة وذلك عام 291 هـ. وقد توفي المكتفي بالله عام 295 هـ. واستلم من بعده الخلافة أخوه المقتدر بالله وكان عمره لا يزيد عن ثلاثة عشر سنة ورفض بعض الوزراء الأمر وولوا عليهم ابن المعتز.
فوقع الخلاف بين جماعة المقتدر وجماعة ابن المعتز فانتصر جماعة المقتدر وسجن ابن المعتز وأخرج من سجنه ميتاً. وقد جعل المقتدر علي بن عيسى وزيراً له فسار بعفة وعدل وتقوى إلا أن الخليفة المقتدر واجه العديد من المشاكل مع مؤنس الخادم الذي ثار عليه عدة مرات إلى أن حصلت بينهما معركة عام 320 هـ قُتل فيها الخليفة المقتدر بيد مؤنس الخادم.
وقد حفل عهد المقتدر الذي استمر خمس وعشرون عاماً بحرب شرسة ضد القرامطة في جميع المناطق فقتل زكروية ابن مهروبة في جنوبي العراق وكذلك قضي على قرامطة اليمن الذي فسدوا وأفسدوا وقتلوا كثيراً من الخلق بقيادة علي ابن الفضل القرمطي بعد أن قتل مسموماً عام 303 هـ.
ولكن عادت وقويت شوكة قرامطة اليمن وخاصة بعد مقتل أبي سعيد الجنابي عام 301 هـ واستلم الدعوة من بعده ابنه سليمان القرمطي أبو طاهر الذي فعل أقبح الفعائل وأنكر المنكرات ولم يتورع عن قتل الحجاج وغزا مكة المكرمة وقتل الحجاج ورمى جثثهم في بئر زمزم واستولى على الحجر الأسود وأخذه معه إلى هجر وذلك عام 317 هـ.
وعلى جبهة الروم فقد عاد الغزو فقاد الصائفة عام 297 هـ القاسم بن سيما وبعدها قام بالمفاداة بين أسرى الروم وأسرى المسلمين مؤنس الخادم.
ثم أسر مؤنس الخادم مائة وخمسين بطريقاً مع أعداد كبيرة من الروم فطلبت الروم عقد هدنة بين الطرفين وأرسلت الهدايا وتمت المفاداة وذلك عام 305 هـ.
ثم دخل الدمستق ملك الروم ملاطية وعاث فساداً في سواحل المسلمين عام 314 هـ. كما هاجموا ثغر دمياط في مصر، ثم عاد المسلمون وانتصروا على الروم عام 319 هـ في جهات طرسوس وأسروا ثلاثة آلاف رومي، وفي الوقت نفسه سار الروم إلى سميساط واستنجد أهلها بأمير الموصل سعيد بن حمدان الذي طرد الروم وقتل الكثير منهم. أما في الإمارات فقد حدثت عدة تغيرات فقد زال بعضها كدولة الأغالبة ودولة الأدارسة ودولة الخوارج الإباضية ودولة الخوارج الصفرية. كما وجدت دول جديدة أهمها الدولة العبيدية (الفاطمية) التي أعلنت فيها الخلافة والدولة الحمدانية، كما أعلنت الخلافة الإسلامية في دولة الأندلس الأموية. بعد مقتل الخليفة المقتدر على يد مؤنس الخادم.
وهكذا أصبح في العالم الإسلامي ثلاثة خلفاء: الخليفة العباسي في بغداد. والخليفة الأموي في قرطبة والخليفة العبيدي في رقادة.
وقد قاتل الخليفة المقتدر العبيديين وكان على رأسهم عبيد الله المهدي في عدة معارك في مصر عندما كانوا يحاولون عبور النيل إلى الشرق واضطرهم إلى الرجوع. وبعد موت عبيد الله المهدي ومجيء ابنه القائم واحتلاله لصعيد مصر، أرسل له الخليفة المقتدر مؤنس الخادم فهزمه هزيمة منكرة وأجبره على العودة إلى المغرب.
وبعد مقتل الخليفة المقتدر على يد مؤنس الخادم بويع أخوه القاهر بالخلافة عام 320 هـ. وكان بطاشاً سفاكاً للدماء، علم بمكيدة يدبرها له مؤنس الخادم وحاشيته من الجند ليقتلوه فاحتال عيلهم وقتلهم جميعاً إلا أبا علي محمد بن مقلة الذي استطاع الهرب وتمكن ابن مقلة بعد مدة أن يوغل قلب الجند على تعذيب الخليفة وسمل عينيه وأخذ البيعة منه غصباً ثم تم حبسه عام 333 هـ ولم يتغير في عهده أي شيء إذ استمرت خلافته سنة ونصف تقريباً وبويع بالخلافة من بعده ابن أخيه الراضي بالله عام 322 هـ. وبعهده كان مرداويح الديلمي الذي استولى على فارس وخراسان قد مات وجاء بعده علي بن بويه وقاطع الخليفة.
وكذلك انقطع الحج من بغداد أيام الخليفة الراضي بالله بسبب القرامطة واستمر انقطاعه حتى عام 327 هـ. حيث توسط في الأمر الشريف أبو علي محمد بن يحيى لدى القرامطة على أن تدفع لهم عن كل جمل خمسة دنانير وعلى المحمل سبعة دنانير. وكان محمد بن رائق هو المسيطر على الحكم ثم استلم من بعده نائبه وكاتبه بجكم إلى أن توفي الخليفة الراضي بالله وبويع من بعده لأخيه المتقي لله عام 329 هـ.
وكان بجكم أمير الأمراء والمتسلط عليهم، ثم قتل بجكم فحل مكانه كورتكين الديلمي ثم اختلف ابن رائق وكورتكين وهزمه وعادت السيطرة لابن رائق وقد تنازع العسكريون على السلطة كثيراً ما بين ابن رائق وتوزون وبني حمدان إلى أن قتل الخليفة المتقي لله بعد أن عُذِّب على أيدي توزون وجماعته وبويع بعده للخليفة المستكفي بالله كما بايعه الخليفة المخلوع. وكانت الدولة الأموية في الأندلس على عهده في أوج عزها على يد الخليفة عبد الرحمن الناصر الذي استطاع أن يوحد الأندلس ويقودها نحو الانتصارات المتتالية.
وكانت دولة العبيديين أو الفاطميين قد انتقلت من عبيد الله المهدي إلى ابنه نزار أبي القاسم القائم الذي انشغل في تثبيت الحكم ضد الثورات التي قامت ضده.
وأما الدولة الحمدانية فقد توسعت نوعاً ما وتوزعت إماراتها بين الأخوة.
ونشأت دولة جديدة في مصر هي دولة الأخشيديين.
لم يبق الخليفة المستكفي إلا سنة واحدة على كرسي الخلافة فقد سيطر آل بويه على الحكم واستبدوا به فلم يطب لهم حكم المستكفي فسحبوه من قصره ماشياً وعذبوه وأجبروه على مبايعة ابن عمه المطيع لله وسجن المستكفي وبقي إلى أن مات سنة 338 هـ.
وبهذا يكون عصر سيطرة العسكريين الأتراك على الحكم قد انتهى باستلام آل بويه لزمام الأمور ويكون القسم الأول من العصر الثاني قد انتهى وبدأ القسم الثاني من عصر الضعف في الدولة العباسية وهو قسم سيطرة العسكريين الفرس أو عصر سيطرة آل بويه على الحكم.
عصر سيطرة آل بويه(334 ـ 467 هـ )
تمتد هذه المرحلة بين 334 ـ 447 هـ. وقد تعاقب في هذه المدة الطويلة أربعة خلفاء فقط إذ أن أيامهم قد طالت. وقد امتازت هذه المرحلة بسيطرة آل بويه الفارسيين على الحكم، وبكثرة الفتن والمناصرات الطائفية. وقد كان خلفاء هذه المرحلة الأربعة على درجة من الطيبة والاستقامة والتدين ولكنهم كانوا مغلوبين على أمرهم ليس لهم من الأمر شيء أبداً.
وأما الإمارات فقد قلَّ عددها في المغرب إذ لم يبقى سوى الدولة الأموية في الأندلس والدولة العبيدية في المغرب ثم توسعوا بعد ذلك.
وأما في المشرق فقد ازدادت قليلاً فبالإضافة إلى الدولة الحمدانية والدولة السامانية والقرامطة والدولة الأخشيدية فقد ظهر على الساحة آل بويه في فارس وخراسان أما خلفاء هذه المرحلة فهم:
1 ـ المطيع لله 334 ـ 363 هـ.
2 ـ الطائع لله 363 ـ 381 هـ.
3 ـ القادر بالله 381 ـ 432 هـ.
4 ـ القائم بأمر الله 422 ـ 467 هـ.
بويع المطيع لله بعد أن عذب آل بويه ابن عمه المستكفي بالله، وازداد أمر الخليفة إدباراً فلم يبق له من الأمر شيء البته. فلم يبق له وزير وإنما أصبح له كاتب، وصارت الوزارة لمعز الدولة يستوزر لنفسه من يريد. وقد خرج الخليفة مع معز الدولة البويهي لقتال ناصر الدولة الحمداني واستطاع الحمدانيون أن ينتصروا في هذه المعركة ودخلوا بغداد، ثم تصالح مع معز الدولة وخرج إلى الموصل وأما على جبهة الروم، فقد ازدادت هجمات الروم واحتلوا جزيرة كريت من أيدي المسلمين عام 350 هـ. كما هاجم ملك الروم بجيش عظيم ثغر (المصيصة) وأخذها قهراً وفي العام التالي اتجه الروم إلى احد وحاصروها ولم يتمكنوا من دخولها، فساروا إلى نصيبين وكان عليها سيف الدولة الحمداني. كما سار الروم إلى إنطاكية عام 357 هـ وقتلوا وسبوا ورجعوا غانمين وبعد عامين تمكنوا من دخولها وساروا إلى جهات حلب.
ثم بدأ الروم بعد ذلك يتوغلون في عمق بلاد المسلمين فأغاروا على حمص عام 358 هـ وأحرقوها وهاجم الروم الجزيرة وديار بكر وقتلوا كثيراً من أهل الرها، ولم ينهض معز الدولة البويهي لقتالهم إلا بعد ما هاج المسلمون فأرسل جيشاً في العام التالي تمكن من إحراز النصر على الروم.
ثم سار الروم إلى آمن وكان معهم ملكهم، وقد حاصروا المدينة وكان عليها هزرمرد غلام أبو الهيجاء الحمداني فاستنجد بأبي تغلب الحمداني فأرسل له قوة بقيادة هبة الله بن ناصر الدولة وانتصروا على الروم وأسروا الدمستق الذي مات في السجن عام 363هـ.
وكانت أكثر الحروب تحدث بين الروم والدولة الحمدانية الذين وقعت على كاهلهم مهمة حماية الثغور.
ومن جهة الإمارات فقد وقعت خلافات بين آل بويه والدولة السامانية واستمرت فترة طويلة، وأعاد القرامطة الحجر الأسود إلى الكعبة عام 339 هـ ، ثم وسعوا حدودهم باتجاه بلاد الشام وأما الدولة العبيدية فقد مدت نفوذها باتجاه مصر بعد ضعف الدولة الأخشيدية، وكان العبيديون على قتال دائم في الجبهة الشمالية مع دولة الأندلس والخلافة الأموية هناك مع أن الأموميين كانوا في حال حرب دائمة أيضاً مع النورمانويين والنصارى في شمال البلاد.
وقد بقي المطيع لله خليفة طيلة تسع وعشرين سنة إلى أن أصيب بفالج عام 364 هـ. فخلع نفسه وسلم الأمر من بعده لولده الطائع لله.
كان الطائع شديد الانحراف للطالبيين وعلى عهده سقطت هيبة الخلافة جداً حتى هجاه الشعراء إذ كان يخرج لاستقبال عضد الدولة على غير عادة الخلفاء.
وكان الروم على عهد الخليفة الطائع في صراع داخلي كبير للسيطرة على المملكة فلم تكن هناك أي حروب معهم، بل حتى الدويلات الإسلامية الناشئة كانت مختلفة فيما بينها فآل بويه كانوا يتصارعون في السيطرة على الولايات بعد وفاة الأخوة الثلاثة الكبار وبنفس الوقت كانوا مختلفين مع القادة الأتراك الذين بدأ نفوذهم بالانتشار. وكذلك مع الدولة الحمدانية، وأما الحمدانيون فقد انشغلوا بالصراعات الداخلية للسيطرة على الولايات والمحافظة عليها من الأخطار المحدقة بهم من قبل القرامطة والدولة العبيدية وظهر الغزنويون الذين قاموا بحمل قسط كبير من الجهاد والفتوحات على الجبهة الشرقية فيما بعد.
وقد امتدت خلافة الطائع ل ـ 18 سنة ثم بويع القادر بالله عام 381 هـ. الذي كان على قدر كبير من التدين وكثرة الصدقات، وعلى عهده عاد للخلافة شيء من هيبتها ووجودها وبقيت كلمة القادر مسموعة إلى حدِّ ما، وقد ساعده على ذلك ضعف آل بويه واختلافهم فيما بينهم ومنازعة القادة الأتراك لهم.
وقد تميزت خلافة القادر بالله بقوة الغزنويين الذين أخذوا على عاتقهم التصدي للمعتدين على حدود الدولة الإسلامية من جهة الشرق بقيادة السلطان محمود الغزنوي الذي كلفه الخليفة بالسلطة كما امتاز عهده بذم العبيديين ونشر أكاذيبهم بأمر من الخليفة وبيَّن في بيان عام أنهم ينتمون إلى ديصان بن سعيد الخرمي وكشف عن تاريخهم الحقيقي وكيف أن عبيد الله المهدي هرب من بلاد الشام متستراً بدعوته إلى المغرب. وكشف عن مذهبهم السري الخارج عن الدين الحنيف ودعا لمحاربتهم.
كما وقعت على عهده فتنة بين السنة والشيعة، ووقف القادر وقفة جيدة بوجه الروافض ما أدى إلى انكسارهم. وقد توفي عام 422 هـ. وجاء بعده ابنه القائم بأمر الله العباسي وكان عادلاً محباً للناس والعدل والإحسان. وقد كان على عهده احد موالي آل بويه وهو أرسلان البساسيري وكان قد طغى في البلاد، وثبت للخليفة أنه سيء العقيدة وله مآرب كبيرة فراسل الخليفة طغرل بك سلطان الأتراك السلجوقي بالري يستنهضه بالقدوم عليه، وقدم طغرل بك إلى بغداد واستأذن الخليفة بدخولها فدخلها فهرب البساسيري بعد أن أحرقت داره وامتنع عن الحضور للامتثال لطاعة طغرل بك فتمكن طغرل بك من القضاء على نفوذ البساسيري الذي استطاع أن يستغل خروج طغرل بك لمقاتلة أخيه إبراهيم ينال خارج بغداد فدخلها وأخذ الخليفة إلى «الحديثة» وخطب في بغداد للفاطميين سنة 450 هـ فعاد إليه طغرل بك بعد عام واحد فقتله وأعاد الخليفة إلى بغداد عام 451 هـ وهكذا قوي الأتراك السلاجقة في بغداد واضمحل وجود آل بويه بعد مقتل عاملهم البساسيري وبذلك ينتهي عصر الهيمنة العسكرية لآل بويه ويبدأ عصر هيمنة السلاجقة.
عصر سيطرة السلاجقة 467 ـ 656 ه ـ
تمتد هذه المرحلة 209 سنوات تعاقب عليها 12 خليفة، كانوا على درجة من العدل والتقوى والإحسان والعطف على الناس.
لم يكن السلاجقة ـ وهم المسيطرون على الحكم ـ يتصرفون مع الخليفة ذلك التصرف السيء مما أعاد إلى الخلافة بعض الهيبة والمكانة العالية، كما قد شهدت هذه الحقبة ظهور دويلات إسلامية جديدة قوية كان لها دور على ساحة الصراع مع النصارى سواء في دولة الأندلس (دولة المرابطين ودولة الموحدين) أم في المشرق مثل إمارة آل زنكي والأيوبيين اللتين انصرفتا لقتال الصليبيين بعد العبيديين. إضافة إلى دولة الخوارزم وآل زيري والمغراوية والغوريين وكذلك في اليمن الصليحيين كما تميزت هذه المرحلة بانكسار شوكة الشيعة بعد زوال دولهم المتعددة كالحمدانيين والسامانيين والبويهيين خاصة الذين مع زوالهم ضعف أمر القرامطة الأمر الذي أدى إلى زوالهم فيما بعد وكذلك قضي على الدولة العبيدية إلا أن هذه المرحلة شهدت أيضاً حرباً صليبية شرسة على الدولة الإسلامية انتهت بانكسارهم وهزيمتهم أمام الأيوبيين إلا أنها انتهت بالهجوم المغولي الشاسع والذي أطاح بالخلافة الإسلامية في بغداد.
وأما خلفاء هذه المرحلة فهم احد عشر خليفة:
1 ـ المقتدي 467 ـ 487 هـ.
2 ـ المستظهر 487 ـ 512 هـ.
3 ـ المسترشد 512 ـ 529 هـ.
4 ـ الراشد 529 ـ 530 هـ.
5 ـ المقتفي 530 ـ 555 هـ.
6 ـ المستنجد 555 ـ 566 هـ.
7 ـ المستضيء 566 ـ 575 هـ.
8 ـ الناصر 575 ـ 622 هـ.
9 ـ الظاهر 622 ـ 623 هـ.
10 ـ المستنصر 623 ـ 640 هـ.
11 ـ المستعصم 640 ـ 656 هـ.
بعد أن دخل السلاجقة بغداد عام 447 هـ بقي القائم بأمر الله العباسي مدة عشرين سنة أخرى وهو الذي مهد الطريق للسلاجقة فلما توفي عام 467 خلفه حفيده عبد الله المقتدي من ابنه الوحيد محمد وقد بويع بالخلافة وله من العمر تسعة عشر عاماً فقط وقد تزوج من بنت السلطان ملكشاه عام 474 هـ ، وقد كانت أيامه أيام خير وعز، وفيها وقع الخلاف بين ملكشاه وبين الخليفة المقتدي.
كذلك استرد المسلمون من الروم أطاكية ومنبج، وفي دولة الأندلس انتصر المرابطون في معركة الزلاقة عام 479 هـ على النصارى الإسبان بقيادة أمير المرابطين يوسف بن تاشفين وكانت معركة حاسمة، كما فتح المسلمون على عهد المقتدي أجزاء من الهند.
وأعيدت الخطبة للعباسيين في دمشق عام 468 هـ وفي مكة عام 474 هـ بعد أن انقطعت ثانية عام 467 هـ.
وظهرت على عهده دولة خوارزم بالمشرق كما ظهرت بالمغرب الإمارة المغراوية وآل زيري ودولة المرابطين وتوسعت دولة الصليحيين في اليمن.
وقد توفي الخليفة المقتدي مطلع عام 487 هـ وجاء بعده ابنه الخليفة المستظهر بالله أحمد بن عبد الله وكانت أيامه سعيدة، وقد بويع بالخلافة وعمره سبع عشرة سنة وفي أيامه بدأت الحروب الصليبية على العالم الإسلامي. وقد نقل الخليفة المستظهر السلطنة من بركيارق. إلى أخيه محمد السلجوقي ما أدى إلى نشوب حرب طويلة بين الطرفين امتدت حوالي خمس سنوات يختلفان ويتفقان أما الدويلات الإسلامية فبعضها كان على حافة النهاية كالدولة الغزنوية والدولة العبيدية وأما دولة الأندلس فكان يحكمها المرابطون أناء يوسف بن تاشفين، وكانت تعمها الخلافات والفوضى بين المدن الأندلسية، فوحدوها وكثرت حروبهم مع النصارى الإسبان. وأما الصليبيون فقد شنوا أولى حملاتهم على العالم الإسلامي عام 489 هـ فواجههم في نيقية قلج أرسلان فخسروا تلك المعركة إلا أنهم انقسموا فريقين أحدهما بقيادة الإمبراطور البيزنطي الذي تبع طريقاً خاصة باتجاه آسيا الصغرى واتجه الفريق الصليبي الآخر باتجاه الرها وبلاد الشام، وكانوا أثناء طريقهم يرتكبون المجازر بحق الكبار والصغار واستطاعوا دخول بيت المقدس عام 492 هـ بعد أن اجتازوا جيش المسلمين الذي اجتمع تحت قيادة كربوقا صاحب الموصل ودقاق صاحب دمشق وجناح الدولة صاحب حمص. وهكذا احتل الصليبيون بلاد الشام وطردوا منها السلاجقة وشكلوا فيها أربع إمارات تابعة لهم هي:
1 ـ إمارة الرها
2 ـ إمارة طرابلس
3 ـ إمارة بيت المقدس
4 ـ إمارة أنطاكية
ثم ولي الخلافة بعد المستظهر ولده المسترشد بالله الذي بويع بالخلافة بعد موت أبيه عام 512 هـ وقد كان عهده مليئاً بالفتن والمشاكل والخلافات الداخلية وخاصة بين السلاجقة الذين اختلفوا فيما بينهم من أجل السيطرة على السلطنة وقد امتد هذا الخلاف ليطال الخليفة العباسي المستظهر الذي قتل على يد فرقة من الباطنية كانت تختبىء مع جند السلطان مسعود السلجوقي أما في الأندلس فقد بدأت دولة المرابطون بالضعف وظهرت أمامها في المغرب دولة الموحدين التي كانت متشددة أكثر نوعاً ما.
وعلى جبهة الصليبين فإنهم لم يعيشوا بسلام وأمان أبداً في البلاد التي احتلوها، فقد كثرت الغارات عليهم من كل صوب فالعبيديون الذين اختلفوا معهم بدأوا يشنون عليهم الغارات ابتداءً من الجنوب ومن البحر ومن الشمال. كان الأمراء السلاجقة يتناوبون في شن الحملات العسكرية وقد استطاعوا استرداد بعض المدن المهمة وقد استطاع الأمير غازي كمشتكين استعادة ملاطية منهم بعد أن أخذ أميرها أسيراً كما استعصمت عليهم دمشق فلم يستطيعوا احتلالها رغم عدة محاولات قاموا بها.
ولعل أهم أمر قام به الخليفة المسترشد هو قتاله للباطنية فقد استطاع أن يدخل قلعة الموت في فارس وقلعة بانياس في بلاد الشام، وهاتان القلعتان تعدان من أقوى حصون الباطنية. ولي الخلافة بعد المسترشد ولده الراشد بالله عام 529 هـ. وكان عمره سبعاً وعشرين سنة، وقد اختلف الخليفة الراشد مع السلطان مسعود السلجوقي على مبلغ طلبه السلطان من الخليفة، فاستعان الخليفة بعماد الدين زنكي ثم خطب الخليفة لداوود بن محمد بن محمد بن ملكشاه وبايعه على السلطنة فازداد الخلاف مع مسعود الذي مشى إلى بغداد بجيوش كبيرة فلجأ الخليفة إلى الموصل مقر عماد الدين زنكي، فأقصى مسعود الراشد عن الخلافة وبايع بدلاً منه عمه المقتفي لأمر الله. وعندما علم الخليفة بالخبر خرج من الموصل باتجاه أذربيجان مع جماعته فحاصر أصبهان ثم مرض الخليفة الراشد فدخل عليه جماعة من الأعاجم أو الباطنية وقتلوه سنة 530 هـ وهكذا فإن الخليفة الراشد لم يبق بالخلافة سوى عام واحد.
وجاء بعده عمه المقتفي لأمر الله الذي بويع بعد خلع ابن أخيه الراشد بن المسترشد وقد عظم سلطانه واشتدت شوكته واستظهر على المخالفين وأجمع على قصد الجهات المخالفة لأمره. ولم يزل أمره في تزايد وعلو إلى أن مات عام 555 هـ.
وعلى عهده ضعف أمر العبيديين كثيراً وخاصة بعد مقتل الظافر بالله العبيدي عام 549 هـ عندها كتب المقتفي عهداً لنور الدين محمود بن زنكي وولاه مصر.
وعلى عهده أيضا بدأت المعارك بين السلاجقة ودولة خوارزم، كما اختلف السلطان مسعود السلجوقي مع أولاد أخيه محمد وملكشاه كما ظهرت أيضاً دولة الغزنويين اللذين قضوا على القزنويين في غزنة وظهرت دولة آل زنكي التي كان لها دور فعال في مقاومة الاحتلال الصليبي الموجود في بلاد الشام فاستطاعت بعد أن كانت بالموصل وما جاورها أن تتوسع وتسترد المدن من الاحتلال الصليبي حتى أصبحت دولة آل زنكي تحيط بالوجود الصليبي على طول حدوده. أما في الأندلس فكان أمر المرابطين على وشك الانتهاء بعد أن استلم زمام الأمور الموحدون في المغرب ونقلوا سيطرتهم بعد ذلك إلى بعض المدن الأندلسية، وكان النصارى الإسبان قد استطاعوا دخول بعض المدن الأندلسية مثل ماردة وماجة وأشبونة عام 540 هـ ثم ملكوا المرية عام 542 هـ وطرطوشة ولاردة عام 544 هـ.
وفي عام 555 هـ توفي الخليفة المقتفي لأمر الله وخلفه بعد وفاته ابنه المستنجد بالله الذي استمر في خلافته مدة 11 سنة، وفي أيامه اتسعت رقعة ميدان القتال بين المسلمين والصليبيين وكانت الساحة بلاد الشام ومصر ويقود القتال نور الدين محمود في كلا الساحتين حيث ضعفت الدولة العبيدية لدرجة كبيرة وهذا ما جعل نور الدين محمود يتحمل مسؤولية الدفاع عنها كيلا تصبح معقلاً للصليبيين وقد كان أمر الخليفة قوياً في هذا العهد إذ ضعف السلاجقة نسبياً، إنما تبقى السلطة الحقيقية في البلدان المجاورة لمركز الخلافة بيد «الأتابكة» وهم أمراء الولايات المنتشرة على أطراف الدولة الإسلامية، وفي أيامه أيضاً هاجمت الكرج عام 557 هـ بلاد المسلمين ونهبوا وسلبوا وقتلوا كثيراً فاجتمع لهم حكام أذربيجان ومراغة وخلاط وثأروا منهم.
توفي المستنجد بالله عام 566 هـ وبويع بالخلافة بعده ابنه المستضيء بأمر الله وكان من خيار الخلفاء آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، وعلى أيامه ضعف أمر الروافض في بغداد وأمن الناس وعلى عهده انتهت الدولة العبيدية في مصر على أيدي السلطان صلاح الدين الأيوبي وخطب للخليفة العباسي في القاهرة وهكذا لم يبق سوى خليفة واحد في ديار الإسلام وكان ذلك عام 567 هـ ثم توفي عام 569 هـ نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي في دمشق بعدما جاهد الصليبيين وهزمهم ثم حاصرهم في بقعة صغيرة. وقد خلفه ابنه الملك الصالح إسماعيل وقد كان صغيراً، فانتهز الصليبيون هذه الفرصة وبدؤوا بالتحرك من جديد.
ثم توفي الخليفة المستضيء بالله عام 575 هـ وولي الخلافة بعده ابنه الناصر لدين الله وكان شجاعاً شهماً، ذا عقل رصين ومكر ودهاء، إلا أنه كان رديء السيرة بالرعية مائلاً إلى التشيع لم يكن في أيامه خليفة سواه، وعلى عهده ضعف أمر الصليبيين وظهر الأيوبيون وعلا شأنهم وسلطانهم، وكان الجميع يخطب للخليفة العباسي.
وفي أيامه فتح صلاح الدين الأيوبي القدس عام 583هـ ، وقد توفي صلاح الدين عام 589 هـ فكانت مصر لابنه عماد الدين عثمان الملك العزيز، ودمشق لابنه الأفضل نور الدين علي، وحلب لابنه الملك الظاهر غياث الدين غازي.
وقويت دولة خوارزم على عهده واستطاع خوارزمشاه أن يقضي على سلطان السلاجقة وأزال دولتهم عام 590 هـ وطلب السلطنة لنفسه من الخليفة وسار إلى بغداد بخمسين ألف مقاتل إلا أن الخليفة هدم دار السلطنة وردَّ رسله إليه وكان خوارزمشاة قد وصل إلى همدان فتساقط في تلك المنطقة ثلج عظيم مدة عشرين يوماً فاضطر خوارزمشاه للعودة من حيث أتى وقد توفي الخليفة عام 622 هـ بعد أن استمر في خلافته مدة 47 سنة.
وقد خلفه بعده ابنه الظاهر بأمر الله من 622 ـ 623 هـ وقد كان عادلاً محسناً خيِّراً أعاد الأموال المنصوبة إلى أهلها. لم يلبث بالخلافة سوى تسعة أشهر تقريباً.
خلفه ابنه المستنصر بالله فنشر العدل بين الناس وقرب أهل العلم والدين وبنى المساجد والمدارس والمستشفيات وجمع الجيوش لنصرة الإسلام وقد هزم جيوش التتار في الوقت الذي خافهم البشر وعلى عهده كانت الحروب الصليبية على أشدها فالحملات لم تتوقف وكان الأيوبيون لها بالمرصاد وكانت القدس بأيدي المسلمين إلا أن الكامل ابن الملك العادل سلمها للصليبيين بعدما عقد معهم حلفاً ضد إخوته الأشرف والمنظم وذلك عام 626 هـ. إلا أن الناصر داوود أمير الأردن أعادها إلى المسلمين عندما نقض الصليبيون العهد عادت المنطقة كلها مسلمة وانحصر الصليبيون في صور وطرابلس فقط. إلا أن الخطر الأكبر كان في المشرق وهم التتار فكانوا على حرب ضروس مع دولة خوارزم وكانوا يقتربون شيئاً فشيئاً من العاصمة الإسلامية. إلا أن المستنصر كان يوقفهم في الوقت المناسب.
توفي المستنصر بالله عام 640 هـ وكانت مدة خلافته ستة عشر سنة وخلفه من بعده ابنه المستعصم بالله وهو آخر خلفاء الدولة العباسية في بغداد، كان متديناً متمسكاً بالسنة مثل أبيه لكنه أيضاً كان ضعيفاً فقد كان أبوه يستكثر من الجند ليدافع بهم عن دولته، ومع ذلك كان يصانع التتار ولكنهم إذا تعدوا حدودهم قاتلهم وانتصر عليهم. أما المستعصم بالله فقد كان يشاور وزيره العلقمي فكان يشير عليه بأن يقلل من الجند فلا فائدة لهذه الأعداد وكان الخليفة يوافقه، كما كان يشير عليه بمصانعتهم وإكرامهم وفي الوقت نفسه كان هو يتصل بالتتار ويشجعهم على القدوم إلى العراق وسار التتار إلى بغداد.
ووقف جيش الخليفة بوجههم، وقد قام الوزير العلقمي بخدعة للخليفة ولوزرائه وأوهمهم بطلب الهدنة. وكانت قوات التتار بقيادة باجو من الجهة الغربية فاشتبكت مع قوات الخليفة في معركة ضارية يوم عاشوراء فخلا الجو لهولاكو من ناحية الشرق فتقدم وكان جيشه يقدر بنحو مائتي ألف فعاثوا بالبلاد فساداً واستمر القتال أكثر من أربعين يوماً فبلغ عدد القتلى أكثر من مليون شخص، ولم يسلم إلا من اختفى في بئر أو قناة وفي يوم الأربعاء الرابع عشر من شهر صفر سنة 656 هـ قتل الخليفة المستعصم بالله بعد ما قتل أولاده الثلاثة أيضاً. وبمقتله تنتهي الدولة العباسية في العراق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الدولة العثمانية عام(981) هـ

الدولة العثمانية عام(981) هـ وفي سنة (981) هـ الموافقة لسنة (1573)م خرجت العمارة التركية مؤلفة ...