عمر اليافي

عمر اليافي
(1173هـ ـ 1233هـ) (1754م ـ 1814م)
الشيخ عمر اليافي ـ.
ولد أبو الوفا قطب الدين الشيخ عمر اليافي في مدينة يافا سنة 1173 هـ و1754م ورضع ثدي الكمال في مهد الأداب والفضائل، وتلقى العلم عن فحول الأعلام، حسيني النسب والحسب، رحل إلى نابلس ومصر في سبيل طلب العلم، ثم قدم إلى دمشق سنة 1198 هـ وهو في عنفوان شبابه فأخذ عن جملة من شيوخها، ثم طاف البلاد الشامية والحجازية لنشر العلوم والإرشاد، وحج الأماكن المقدسة فكان في كل بلد حل به كالثريا، يلتف الناس حوله ويلقي التكريم والإعجاب بعلمه وفضله.
تآليفه ـ.
هو العلامة الذي طأول الثريا علمه ومن مؤلفاته رسالة في الفرق بين الواحد والأحد، ورسالة هداية أهل المحبة، ورسالة لباب المغنم ومنية المغرم في معنى الاسم الأعظم، ورسالة في الحض على بر الوالدين، ورسالة في تفسير بعض أشعار الشيخ الاكبر محي الدين بن عربي، ورسالة في الطريقة النقشبندية، وتفسير الإحدى عشرة كلمة التي بنيت عليها هذه الطريقة، ورسالة في حكمة اجتماع الذاكرين وحركاتهم على الطريقة الصوفية ورسالة في معنى التصوف والصوفي، ورسالة بديعة في حل البيت المشهور.
وما كنت أدري قبل عزة ما البكاوما موجعات القلب حتى تولتورسالة في دخول الحمام، ومنح العليم في بسم الله الرحمن الرحيم، ورسالة قطع النزاع وكشف القناع ورسالة في اسم (علي) وله مؤلفات في الفقه والتفسير والحديث والنحو.
إقامته بدمشق ـ.
وبعد طوافه البلاد الشامية والمصرية والحجازية حطت رحاله في دمشق مهبط العلم والعبقرية والفن فأحبها واستوطنها لوفرة أدبائها وعلمائها الأعلام في ذلك العهد واتخذ له في الجامع الأموي حجرة كبيرة تقع في المشهد الغربي تعرف حتى الآن بمشهد اليافي لأعطاء الدروس وإقامة الأذكار وإفادة المريدين. ولم يطل العهد به حتى أصبح العالم الفرد بمآثره ونبوغه، وانقادت إليه الزعامة الدينية، فكان مطاعاً يرتجي أعاظم الرجال نوال رضاه والتبرك بلثم يديه.
صفاته ـ.
كان رحمه الله آية في الهيبة والجمال والوقار، ذا رفعة وجلالة، وفصاحة ألانت له عصي الكلام. يتمنى جليسه أن لا يفارقه، بعيد الهمة خالي الغرض، قوالاً بالحق، نطوقاً بالصدق، أماراً بالمعروف، نهاءً عن المنكر، اشتهر بالزهد والورع والسماحة والكرم اشتهار البدر في الأفق الصافي.
منزلته عند الملوك والعظماء والناس ـ.
كان مرعي الحرمة والجاه، نافذ الكلمة، فقد كتب إلى محمد علي باشا والي مصر في عهد الاحتلال المصري للبلاد السورية بإسناد إحدى الوظائف العلمية إلى عالم دمشق المرحوم الشيخ محمد العطار فأجاب التماسه، وكتب إلى السلطان محمود خان تعيين مرتب ليستعين به على تأمين إعاشته ومريديه الملازمين له لإقامة الأذكار معه في زاوية دمشق وتمليكه داراً، فصدرت الإرادة السنية بإجابة استرحامه.
هذا وإن داره لا تزال مسكونة من قبل ذريته، وهي تقع بالقرب من الجامع الأموي.
تواضعه ـ.
كان الفقيد رحمه الله مضرب المثل في التواضع، يستقبل الناس ومحياه كالزهر بشاشة وإيناساً، لين الجانب للجليل والحقير.
شعره ـ.
هو العالم العلامة الذي خفقت رايات علمه في الآفاق، نظمه كالروض البديع، ونثره كالزهر اليانع في الربيع، امتطى متن البيان فكان حجة فيه.
ومن روائع شعره في الغزل قوله:
أفتاة قلبي رحمة بفتاككفّي مهند لحظك الفتاكقد شبهوا بالبدر حسنك طلعةحاشاك مما شبهوا حاشاكفالبدر ينقص في الكمال وأنت فيأوج الجمال على المدى مثواكوإذا رأيت وميض برق قلت منذكري لديك تحركت شفتاكيا طلعة الأفلاك هاج البحر مندمعي وسارت في الهوى أفلاكيجل الذي والاك فينا عندماأولاك حسناً عزّ عن أدراكفنه ـ.
قد فتن الفقيد رحمه الله الناس بعبقريته الفنية، وما زالت موشحاته منتشرة تنشد في الأوساط التي تدرك قيمتها فيستهوي القلوب سماعها.
تلامذته ـ.
لقد درس في حلقته وتخرج عليه فطاحل العلماء وفي طليعتهم الشيخ أمين الجندي الشاعر الحمصي المشهور، فكان الفقيد رحمه الله يحبه ويرعاه ويتفرس فيه الفلاح والخير، ولما زار حمص وأعطاه العهد وكان ذلك في مقام الصحابي الجليل خالد بن الوليد.
مرضه ـ.
كان في حال مرضه لا يفتر عن العبادة وتلاوة آي الذكر الحكيم، وكان يشكو من الأطباء ومما قاله عنهم:
ألا إن علم الطب قد غار ماؤهولم يبق منه يا خليلي سوى الرسمتداو بذكر الله واترك جماعةعقاقيرهم تدني إلى البؤس والسقمولما اشتدت وطأة المرض عليه قال رحمه الله:
يا رب قد عجز الطبيب فآونيبخفي لطفك واشفني يا شافيأنا من ضيوفك قد حُسبت وإن منشيم الكرام البر بالأضيافلا تحرمني نيل عفوك واسقنيمن حضرة القدس الرحيق الصافيوفي غرة ذي الحجة سنة 1233هـ و1814م آذنت شمسه بالغروب، وفاضت روحه الطاهرة فحلت في دار الخلود والسلام ودفن بتربة الدحداح بدمشق وشيعه الناس وهم في غمرة من الحزن الشديد يذرفون الدمع على شخصية نبيلة أتحفها الدهر للناس فأفاد المجتمع بمآثره وعلمه ومواعظه وإرشاده وشعره وفنه وأعقب ذرية صالحة وهم:
الشيخ محمد الملقب بالزهر الذي قام مقام والده، سكن دمشق وأحفاده انتشروا بحمص وطرابلس وعدن وجده وطنطا بمصر وتوفي سنة 1277 هـ و1858م.
الشيخ أبو النصر، وقد خلف والده أيضاً في الإرشاد والسلوك هو الذي كان المرحوم الشاعر الشيخ مصطفى زين الدين الحمصي منشد ذكره وطاف الناس يستقبلونه بكل عظمة وترحيب، وذريته انتشرت في بيروت وطرابلس وفلسطين وتوفي في مصر سنة 1280هـ و1861م وقبره معروف.
الشيخ محي الدين الذي تولى إفتاء بيروت ومن أحفاده رئيس الوزارة في لبنان السيد عبد الله بن عارف بن عبد الغني بن محي الدين اليافي وتوفي في بيروت سنة 1304 هـ 1885م.
وقد رثاه الشعراء بالمراثي الرنانة وكانت مرثية الشاعر المشهور المرحوم الشيخ أمين الجندي لأستاذه الاعظم من أبلغ المراثي المؤثرة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد الرحمن بن عبد الله البَعْلي

عبد الرحمن بن عبد الله البَعْلي (1110هـ ـ 1192هـ) (1698م ـ 1778م) عبد الرحمن بن ...