فتح القسطنطينية

فتح القسطنطينية عام (758)هـ
كان ملوك آل عثمان يرون في فتح القسطنطينية تحقيق أمنيتهم في إقعاد ملكهم على أرسخ القواعد وآكد الوطائد كما كان كلٌّ منهم يُمنِّي نفسه بأن يكون المقصود هو جيشه الذي أخبر المصطفى أنه سيفتح القسطنطنييه ولنعم الجيش جيشها لذلك توجهت همة كثير منهم لتحقيق هذا الأمر فلم يتسن حصوله لامتناع تلك المدينة إلا على محمد الثاني.
تجهز هذا السلطان لهذا الأمر الجلل فأعد له مائتي ألف جندي وثلاثمائة سفينة حربية تحت قيادة البحري المشهور بلطة أوغلي سليمان بك وهو أول أمير للأسطول العثماني فحاصر السلطان القسطنطينية وكان أهلها في أشد حالات الاضطرابات الدينية فأرسل إليه الإمبراطور قسطنطين باليولوغ ملك القسطنطينية يرجوه أن يعدل عن الحرب وهو يدفع إليه الجزية التي كان يدفعها سلفه، فلم يقبل السلطان هذا الأمر وأظهر كل نشاطه واجتهاده في ابتكار الوسائل لتسهيل هذا الفتح. منها أنه أمر بعمل مدفع من البرونز يبلغ قطر فوهته اثني عشر شبرا يقذف كرة من الحجر يبلغ وزنها اثني عشر قنطاراً لمسافة ميل واحد وكان جنود هذا المدفع يبلغون سبعمائة ويحتاج حشوه ساعة من الزمان ولما أرادوا نقله إلى مدينة أدرنة خصصوا له خمسمائة زوج من الثيران وثلاثة آلاف جندي. ومن ابتكاراته أنه سير مائة وخمسين سفينة على اليبس من عند المكان المسمى طولمه باغجة إلى المكان المدعو قاسم باشا وذلك أنه بعد أن اقتحمت سفنه البحر لحصار القسطنطينية رأى قادتها أن الوصول إلى المدينة مستحيل لأن الممر إليها كان مغلقا بالسلاسل الحديدية فرأى المهندسون أن يكسو الأرض بألواح الصنوبر المدهون بالشحم وأن تسحب المراكب عليها بالأحبال وتمت هذه المحاولة في ليلة واحدة فدهش أهل القسطنطينية حين رأوا أسطولاً قوياً يحاصرهم من جهة البحر. عند ذاك أدرك الإمبراطور أن لا قبل له بحفظ مدينته فأرسل لملوك أوروبا يستغيث بهم فلم يجبه احد خوفاً من الأتراك إلا البابا فإنه شجعه على القتال ووعده بالدعوة لحرب مقدسة. ولما كان لمدينة جنوة متاجر ذات قيمة بالقسطنطينية أرسلت للمساعدة خمس سفن حربية عليها ستة آلاف جندي إيطالي تحت قيادة بطل من أبطالهم فتمكن هذا الجيش بمهارة قائده من النزول إلى البر أمام العثمانيين.
لما أتم محمد الثاني معدات الهجوم أرسل إلى الإمبراطور رسولاً يقول له: إن تسلم المدينة بدون قتال فإن السلطان يمنح جميع الرعايا الحرية التامة ولا يصادرهم في شؤونهم ويعين لك بلاد مورة تكون ملكاً عليها.
فلم يقبل الإمبراطور هذا الاقتراح وبكت الرسول الذي حمله إليه. ومما قاله إن فتح القسطنطينية قد أعجز السلاطين الذين قبل محمد الثاني فأولى له أن يرجع عن حصارها وأنا أتعهد له بدفع الجزية السنوية كما كان الحال من قبل.
ثم إن الإمبراطور جمع مجلسه الخاص وعرض عليه اقتراح السلطان فأطرقوا جميعاً كأنهم قبلوه إلا رسول البابا ومندوب إسبانيا فإنهما أشارا عليه بالمقاومة وانتظار إمداد أوروبا فجنح الإمبراطور لرأي الأغلبية وأرسل سفراءه للاتفاق مع السلطان ولكن اتفق أن أولئك السفراء عند عودتهم خطر للسلطان خاطر أراد أن يقوله لهم فأمر بعض جنده بالعدو خلفهم للحاق بهم وإرجاعهم فلما شاهد المحاصرون أن جنودا يعدون خلف سفرائهم ظنوا أنهم يريدون الفتك بهم فأطلقوا عليهم أسلحتهم وعند ذلك انضم إلى تلك الجنود جنود أخرى وحدث بينهم وبين المحصورين قتال وكان السفراء قد وصلوا إلى الأسوار وولجوا المدينة من باب سري فيه وولج معهم الجنود العثمانية واستولوا على قسمها المرتفع فتداعت جنود الرومان لرد المهاجمين فحدثت معركة هائلة قتل فيها الإمبراطور فاحتل الترك المدينة واتخذ السلطان سراي ملوك القسطنطينية مقراً له وحول كنيسة أياصوفيا إلى مسجد وأمر بإظهار الزينة في الجيش. وكان أهالي القسطنطينية تكدسوا في كنيسة أياصوفيا حتى غصت بهم وذلك لاعتقادهم بأن احد الملائكة سينزل من السماء للمدافعة عنهم فقتل الترك بعضهم وأسروا البعض الآخر ولم يذهب السلطان لأداء الصلاة بتلك الكنيسة التي حولها إلى مسجد إلا بعد أن غسلوها بماء الورد.
هذا خلاصة ما قاله المؤرخ (دوكا) الذي كان موجوداً داخل القسطنطينية يوم الفتح ولكن ما أجمع عليه جمهور المؤرخين هو أن الإمبراطور لم يرض بشروط السلطان فشرع هذا في الهجوم العام فقسم جنوده إلى فرق تحت قيادة أمهر ضباطه وأمر منادياً ينادي في عسكره بأن أول من يتسلق سور المدينة من الجنود يوليه السلطان ولاية من أغنى الولايات ويمنحه أثمن العطيات وأخذ يجول بين الصفوف على ظهر جواده يحرض الجند ويستحثهم على الثبات ثم أمر أن يسير المتطوعون أمام العسكر وبيد بعضهم أخشاب وبيد البعض الآخر أحجار وبيد البعض أكياس ملئت بالطين والرمل ليسدوا بها الخندق فاندفعوا كالسيل العرم وأخذوا ما بأيديهم في الخندق فقابلهم جنود المدينة يلقون بوابل من نيران المدافع فقتل منهم خلق كثير وأظلم الجو بدخان المقذوفات دام هذا الحال مدة ساعتين كل ذلك والجنود النظامية لم تبد أقل حركة حتى تعب عسكر الإمبراطور وضعفت نيرانهم فعند ذلك تحركت تلك الفرق وزحفت على الأسوار بقلوب لا تخاف الموت وأمامهم أبراج من الخشب على عجل يجرها الجند مكسوة من الخارج بجلود يبلونها بالماء على الدوام لتمنع تأثير النار التي يقذفها المحاصرون وبداخلها طائفة من الأبطال معهم آلات الدفاع وشرع النقابون في نقب الأسوار وألقيت سلالم التسلق واشتبك القتال وقويت نيران الأعداء بعد أن كانت ضعفت فقابلتها المدافع العثمانية بأشد من فعلها. ثم اقترب العثمانيون من الأسوار وعبروا الخندق على الجثث الملقاة به منهم ودخلوا المدينة فاستولوا عليها ويقال: إن الإمبراطور قتل خلف الباب وهو يحرض المقاتلين وسمعه بعض جنوده وهو يتضرع إليه أن يحتز رأسه لكي لا تعلم جثته بين القتلى فيمثل بها المتغلبون. كان بالقسطنطينية إذ ذاك أكثر من (300,000) نسمة.
دخل السلطان المدينة باحتفال حافل فأبقى للنصارى كنائسهم وعاملهم بالحسنى حتى قال المؤرخ الكبير فولتير:
«إن الأتراك لم يسيئوا معاملة المسيحيين كما نعتقده نحن، والذي تجب ملاحظته أن أمة من الأمم المسيحية لا تسمح أن يكون للمسلمين مسجد في بلادها بخلاف الأتراك فإنهم سمحوا لليونان المقهورين بأن تكون لهم كنائسهم وكثير منها بجزر الأرخبيل تحت مراقبة حكامهم». انتهى.
كان استيلاء الترك على هذه المدينة يوم الثلاثاء في العاشر من شهر جمادى الآخرة سنة (857) هـ الموافق 29 آيار ـ مايو سنة (1453)م بعد حصار ثلاثة وخمسين يوماً وقد أرخ بعضهم سنة افتتاحها بقوله (بلدة طيبة).
وقد أمر السلطان بالبحث عن جثة الإمبراطور فلما وجدوها أمر بدفنها باحتفال يليق بها في مقابر الملوك وافتدى كثيراً من أمراء اليونان الذين وقعوا أسرى في بلده.
لما تم هذا الفتح دهشت أوروبا كلها وأكبرت هذا الأمر لاعتقاد شعوبها أن الترك قوم وحشيون لا يبقون على الأموال والأعراض ولكن سيرة العثمانيين الحسنة وما أظهروه من السماحة التي يأمر بها الدين قلل من روعة تلك الدهشة في أوروبا.
ولكن اليونان القريبين من القسطنطينية وقع لديهم أمر هذا الفتح موقعاً شديداً فلم يتئدوا في أمرهم فخافوا بطش الترك بهم وتركوا أوطانهم وخرجوا هائمين حتى أن البحر كان مغطى بسفنهم.
ثم أمر السلطان بانتخاب بطريق (بطريرك) لليونان وألبسه التاج بيده وسلمه عصا البطاركة وقال له: كن بطريقاً لأمتك وأنت في حفظ اللّه وثق في جميع الأحوال بمحبتي وإخلاص نيتي إليك وتمتع بالمزايا التي كان يتمتع بها أسلافك من قبل.
ثم إن السلطان بعد أن أمن اليونانيين على دينهم وأموالهم وأعراضهم أصدر أمره بأن يحكموا أنفسهم بأنفسهم فشكلوا لهم طائفة منفصلة عن الأمة الفاتحة وكان بطريركهم حائز الرتبة وزير درجة شرف بين ضباطهم الإنكشارية وكانت تعرض عليه جميع القضايا المدنية والجنائية وكان له مجلس مؤلف من أعيان قومه وكان يحكم حتى بالقتل فتنفذه له الجنود التركية.
وكان من امتياز البطريرك إعفاؤه من الضرائب هو ووكلاؤه بالجهات وقد اشتهر أمر هذه المعاملة للبطريرك حتى قال عنها فولتير الفيلسوف الفرنسي المشهور:
«ومما يدل على أن السلطان محمد الفاتح كان عاقلاً حليماً تركه للنصارى المقهورين الحرية في انتخاب بطريركهم. ولما انتخبوه ثبته السلطان وسلمه عصا البطاركة وألبسه الخاتم حتى صرح ذلك البطريق عند ذلك بقوله إني خجل مما لاقيته من التبجيل والحفاوة الأمر الذي لم يعمله ملوك النصارى مع أسلافي».
لما تم هذا الفتح دوى صيته في العالم الإسلامي كما دوى في العالم المسيحي فأرسل ملك مصر وشاه العجم وسلطان المغرب بالتهاني إلى السلطان.
ثم إن السلطان أرسل جيوشه لفتح البوسنة فاستولى على أكثر بلادها. ثم قصد بلاد مورة فخضع أميرها لدفع الجزية.
إن حسن سيرة هذا السلطان وإن كانت قد هدأت الخواطر الثائرة في أوروبا بعض التهدئة. إلا أن نيران الحمية الدينية دفعتهم لإنقاذ القسطنطينية بإغراء البابا كالكستوس الثالث فتألفت حملة صليبية من جيش أوروبي مختلط سنة (1456)م فوجه إليهم السلطان محمد الفاتح بجيشه البالغ قدره (150) ألف مقاتل وأسطوله البالغ عدد سفنه (600) سفينة وتولى قيادته بنفسه ومر ببلغراد فحاصرها وكان يفتتحها فنجح القائد المشهور جان هونيادي في إحراق جزء من أسطوله ولكنه جرح في هذه الموقعة جرحاً مات منه بعد عشرين يوماً فترك السلطان حصار بلغراد بعد أن قتل من جيشه عدد كبير ولكنه لما علم بموت جان هونيادي عاد فاستولى على بلاد الصرب كلها.
ثم رأى السلطان أنه لا بد من الاستيلاء على الممالك المطلة على البحر الأسود وهي أماصرة وطرابزون وسينوب فاستولى عليها.
وكان البنادقة لم يهدأ لهم بال بعد استيلاء الترك على موره فأثاروا الشعب على الترك مراراً ولما لم ينجح مسعاهم أرسلوا إليها أسطولاً مكوناً من ستين سفينة فدامت الحرب بينهم وبين الترك 16 سنة اندحر من بعدها البنادقة وولوا الأدبار.
ثم التفت السلطان إلى آسيا فاستولى على إمارة قرمان نهائيا وقهر أوزن حسن وكان من ألد أعداء العثمانيين ومن خلفاء تيمورلنك وكانت بلاده تمتد بين جيحون شرقاً والفرات غرباً.
وكانت بلاد روسيا إذ ذاك وشبه جزيرة القرم وجميع البلاد الواقعة في شمال البحر الأسود يحكمها من زمن جنكيزخان أمراء من التتار وكان أهلها تدينوا بالإسلام من زمن تيمورلنك وكان هذا الملك جمع الطوائف النازلة ببلاد قاران وأردهان والقريم وقبجان من التتار وشكل منها مملكة القبجاق وقد استمرت هذه المملكة قوية دهراً ثم اعتراها الضعف فانتهز أهل جنوة (جمهورية بإيطاليا) فرصة ضعفهم واستولوا على ثغر أذاق وكفة وسنكوب وغيرها جعلوها محطات للتجارة. وفي سنة (880) هـ أمر السلطان وزيره كديك أحمد باشا بالذهاب إلى تلك البلاد وفتحها فخرج إليها بثلاثمائة سفينة حربية ونقلية ففتح تلك البلاد وطرد أهل جنوة منها. وفي تلك الأثناء توفي الحاج كراي آخر ملوك مملكة القبجاق وكان له اثنا عشر ولداً فتنازعوا الملك بينهم وأوقعوا البلاد في الفتن فاجتمع أعيان تلك المملكة وقدموا للسلطان محمد عريضة رجوه فيها تقرير النظام في بلادهم فاتفق أن السلطان كان في حروبه مع أهل جنوه الذين كانوا متغلبين على تلك البلاد قد وقع في قبضته منكلي كراي احد أولاد الحاج كراي الإثني عشر فأكرمه السلطان وأطلعه على العريضة وعينه خاناً على بلاد القرم بالنيابة عنه فصارت القرم من ذاك العهد ولاية ممتازة تابعة للدولة العثمانية (880) هـ.
ثم أراد السلطان فتح بلاد البلقان فلم ينجح ورجع جيشه كالمهزوم وكان ملك تلك البلاد اسمه أصطفان الرابع فدوى خبر رجوع الترك عن بلاده بجميع أوروبا وكان لها رنة فرح ولقبه البابا بحامي النصرانية.
أما السلطان محمد فقصد بلاد البنادقة بإيطاليا فاجتاز إقليمي كرواسيا ودلماسيا فخاف البنادقة وأبرموا معه صلحا تعهدوا فيه بدفع الجزية وتنازلوا له عن مدينة كروبا أي أقجة حصار عاصمة البانيا إذ ذاك. ثم استولى السلطان على مدينة أشقودرة وتم للترك إخضاع ألبانيا وسهل عليهم منها اقتحام بلاد إيطاليا فاتحين فتمكن الوزير كديك أحمد باشا من إخضاع مدينة أوترانت بإيطاليا وضواحيها سنة (1478)م فلما تحقق البابا من عزم الترك على فتح إيطاليا ورأى نجاح جيوشهم استعد للالتجاء إلى جبال الألب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الثورة الشيوعية الحمراء

الثورة الشيوعية الحمراء روسيا القيصرية: كانت تسيطر على تلك البلاد جماعات وقبائل هندو أوروبية منهم ...