فتوحات العصر الراشدي

فتوحات العصر الراشدي
عندما انتهت حروب الردة كان لا بد من العودة لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأصحابه في نشر الدعوة الإسلامية وتكملة ما بدأ فيه بعدما أرسل جيش أسامة بن زيد لحرب الروم. فتابع الخليفة الأول رضي الله عنه ما كان قد بدأ به سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. فأرسل الجيوش الإسلامية لنشر الدعوة الإسلامية ومحاربة الدولتين القويتين آنذاك الفرس على الجبهة الشرقية والروم على الجبهة الغربية وتابع هذا الأمر من بعده خليفته عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي توسعت رقعة الفتح في عهده بعد الانتصارات التي حققها المسلمون في كبريات المعارك والتي شكلت المفصل الأساسي لبدء سقوط هاتين الدولتين كمعركة اليرموك وفتح القدس على جبهة الروم ومعركة القادسية وفتح نهاوند على جبهة الفرس وفي عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه لم يتوقف الفتح بل أخذ طابع بسط السلطة الإسلامية في البلاد المفتوحة وإخضاع بعض الذين حاولوا الخروج عن الاتفاقات المعقودة مع المسلمين إضافة إلى بعض الفتوحات على الجبهتين. وفي آخر سنتين من خلافة عثمان وفي خلافة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنهما توقف الفتح وانشغل الناس بالفتنة التي اندلعت إلى أن استلم الحكم بنو أمية.
وعلى ذلك يمكننا تقسيم جبهات الفتح على الشكل التالي:
ـ فتح العراق وبلاد فارس.
ـ فتح بلاد الشام.
ـ فتح الأهواز.
ـ فتح مصر.
ـ فتح أذربيجان وأرمينيا وخراسان.
ـ فتح قبرص.
ـ فتح أفريقيا.
فتح بلاد الشام:
بعد أن أنهى الخليفة أبو بكر الصديق حروب الردة بالقضاء عليهم سير جيشاً كبيراً بإتجاه بلاد الشام وكان قد قسمه إلى خمسة أقسام ووضع على رأس كل قسم قائد وهم:
1 ـ يزيد بن أبي سفيان إلى دمشق.
2 ـ عمرو بن العاص إلى فلسطين.
3 ـ شرحبيل بن حسنة إلى الأردن.
4 ـ أبو عبيدة بن الجراح إلى حمص.
5 ـ عكرمة بن أبي جهل وكان مساعداً للجميع.
وقد اجتمعت فرق الجيش الإسلامي تحت إمرة خالد بن الوليد عندما أمره الخليفة أبو بكر بترك العراق والتوجه إلى بلاد الشام ليقود الجيش الإسلامي ضد الروم، فقاده خالد في معركة اليرموك وانتصر على الروم انتصاراً كبيراً وكان ذلك في عام 13 هـ.
وبعد وفاة الخليفة أبى بكر وتسلم عمر بن الخطاب الخلافة كلف أبا عبيدة بن الجراح أمارة الجيش الإسلامي وتابع الجيش الإسلامي زحفه نحو الشمال ففتح دمشق في رجب عام 14 هـ. ثم بعث أبو عبيدة شرحبيل بن حسنة لفتح الأردن وعمرو بن العاص إلى فلسطين وانتقل هو إلى فتح حمص وساعده في ذلك خالد بن الوليد الذي فتح البقاع وبعلبك وساهم في فتح مدينة حمص، ثم انتقل خالد إلى فتح قنسرين وكان يزيد بن أبي سفيان قد أرسل أخاه معاوية بن أبي سفيان لفتح ساحل الشام ففتحها كلها بإذن الله.
وسير الخليفة عمر عياض بن غنم من العراق لفتح الجزيرة شمال سوريا ففتحها وأما عمرو بن العاص فكان يحارب الأرطبون في أجنادين بفلسطين وانتصر عليهم ثم انتقل إلى القدس ليحاصرها ولقيه هناك أبو عبيدة بن الجراح، وفتح القدس الخليفة عمر بن الخطاب بعد أن صالح أهلها وأخرجوا الروم من داخلها.
فتح العراق وبلاد فارس:
كان الفرس يسيطرون على مناطق واسعة من البلاد العربية المتاخمة لشبه الجزيرة العربية وكانت طيء على رأس القبائل العربية التي دخلت الإسلام وكان على رأسها المثنى بن حارثة الشيباني. فطلب من أبي بكر أن يؤمره على القبائل العربية وأن يناوش الفرس الذين يدعمون بعض القبائل الأخرى فيقومون بالاعتداءات المتكررة على القبائل المسلمة إلى أن تجمع الفرس في جيش كبير وجمعوا معهم بعض القبائل العربية غير المسلمة.
فطلب الحارثة من الخليفة أبي بكر المدد، فأرسل له خالد بن الوليد الذي خرج من حروب الردة منتصراً فسيره الخليفة إلى العراق لدعم المثنى وكان ذلك مطلع عام 12 هـ ، وكان أول ما فتح في طريقه الحيرة وكان عليها من قبل الفرس «هانىء بن قبيصة الطائي». بعد ذلك التقى خالد بالمثنى فوحد الجيش وانتصر على قائد الفرس «هرمز» وقتله في معركة كبيرة عرفت باسم «ذات السلاسل» لأن بعض صفوف الفرس ربطوا بعضهم بالسلاسل. بعد هذه الهزيمة التي لحقت بالفرس أرسل أردشير جيشاً بقيادة قريانس لمواجهة المسلمين وكانت معركة المذار التي تكبد فيها الفرس خسائر فادحة. كذلك أعاد الفرس جمع فلولهم بقيادة «الأندرزعر» فسار إليهم خالد وهزمهم في معركة الدلجة. ثم في معركة «أليِّسر» ثم انتقل خالد إلى شمال العراق وترك على الحيرة القعقاع بن عمر، وخرج هو يريد دعم عياض بن غنم ثم تتالت المدن على الاستسلام فكانت الفلوجة وكربلاء ثم نزل الأنبار ثم أخذ دومة الجندل بعدما اختلف أهلها فيما بينهم. ثم جمع جيشه بالحيرة مجدداً وتركها وعليها عياض بن غنم وسار إلى أعدائه في معركة كبيرة وهي معركة القراض والتي راح ضحيتها مائة ألف مقاتل من الفرس. بعدها رجع خالد إلى الحيرة ومنها إلى الحج وبعد عودته جاء قرار نقله من العراق إلى بلاد الشام لقيادة جيش الإسلام هناك بعدما أظهر عن قدرة باهرة في قيادة الجيش الإسلامي بالعراق وحقق الكثير من الانتصارات للمسلمين. وقد استخلف مكانه المثنى بن حارثة. عند ذلك شعر الفرس بقلة من بقي من جيش المسلمين بالعراق فأرادوا النيل منهم وطردهم من العراق، فأرسل شهريار ملك الفرس جيشاً قوامه عشرة آلاف مقاتل فواجههم المثنى مع جيشه وانتصر عليهم انتصاراً باهراً. بعد هذا الانتصار خاف المثنى من الفرس إذ علم أنهم يحشدون للمسلمين لقتالهم.
فطلب المدد من مركز القيادة في المدينة، إلا أن المدد قد تأخر، فقد كان المسلمون منشغلون بفتح الشام الأمر الذي جعل المثنى يسير بنفسه إلى المدينة خشية أن يسبقه الفرس. فلما وصل المدينة المنورة وجد أبا بكر في آخر حياته وقد استخلف عمراً من بعده. فلما رأى أبو بكر المثنى قال لعمر: «إذا أنا مت فلا تمسينَّ حتى تندب الناس لحرب أهل العراق مع المثنى، وإذا فتح الله على أمرائنا الشام فاردد أصحاب خالد إلى العراق فإنهم أعلم بحربه». وهذا ما حصل فقد عيَّن عمر على رأس المجاهدين إلى العراق أبا عبيد بن مسعود الثقفي الذي كان أول من لبَّى نداء الجهاد وطلب منه أن يستشير الصحابة الذين معه. وكتب عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح قائد الجيش الإسلامي في الشام عقب اليرموك أن يعيد إلى العراق من كان به من أصحاب خالد فسيَّرهم أبو عبيدة بقيادة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص. ثم أرسل عمر مدداً آخر بقيادة جرير بن عبد الله البجلي الذي سار متجهاً نحو الكوفة ففتحها.
فاجتمع الجيش الإسلامي تحت قيادة أبي عبيد بن مسعود الثقفي فانتصر على الفرس في معركة النمارق. ثم التقى أبو عبيد وجيشه بالفرس في معركة الجسر وكانت موقعة كبيرة استعمل فيها الفرس الفيلة ضد المسلمين وقد استشهد أبو عبيد في هذه المعركة وأصيب المثنى وقتل عدد كبير من المسلمين، ثم وصل جيش جرير البجلي وانضم إلى جيش المثنى في معركة البويب فكبد المسلمون الفرس خسائر فادحة وكانت ثأراً لمعركة النمارق، ثم راح كل من الجيشين يعد العدة لقتال الآخر. فأعلن الخليفة عمر بن الخطاب عن الجهاد في المدينة وما حولها وعزم على الخروج بنفسه لملاقاة كسرى إلا أن بعض الصحابة أشاروا عليه بالبقاء بالمدينة لمصلحة المسلمين وتكليف احد كبار الصحابة بهذه المهمة وتم اختيار الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص لقيادة جيش الفتح في العراق وفارس وكانت معركة القادسية المفصل الأساسي في فتح هذه البلاد إذ تكبد الفرس فيها خسائر كبيرة ثم تتالت الانتصارات فيسر الله لهم فتح المدائن التي فرَّ إليها الفرس ثم فتح جلولاء وفتح حلوان ثم فتح ماسبذان. وانتقلت الجيوش بعدها لفتح الأهواز. ثم فتح نهاوند وكان فتحها بمثابة النصر على دولة فارس والقضاء عليهم.
فلما فتحت نهاوند وأمر عمر بن الخطاب المسلمين بالانسياح في أرض فارس، وأعطيت الأوامر لسبعة أمراء بالتوغل في أعماق فارس.
1 ـ سار نعيم بن مقرن إلى همدان ففتحها وانتقل إلى الري (طهران) وفتحها ثم بعث أخاه سويد بن مقرن إلى قومس وأخذها سلماً وصالح أهلها. وجاء إليه أهل «جرجان» و«طبرستان» وصالحوه. وكان نعيم قد بعث من همدان بكر بن عبد الله إلى أذربيجان.
2 ـ سار سراقة بن عمرو نحو باب الأبواب على بحر الخزر الغربية، وكان على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة فصالح ملكها.
3 ـ سار الأحنف بن قيس إلى خراسان ففتح هراة عنوة واستخلف عليها (صحار بن فلان العبدي) وسار نحو (مرو) فامتلكها واستخلف عليها حارثة بن النعمان ومنها سار إلى «مروالروذ» ليلاحق يزدجرد حيث فر إليها، وجاء المدد من الكوفة إلى الأحنف وسار المدد نحو «بلخ» حيث انتقل إليها «يزدجرد» واستطاع أهل الكوفة دخول بلخ فهرب يزدجرد إلى بلاد ما وراء النهر، وأصبح الأحنف سيد خراسان إذ هرع جميع أهلها إلى الصلح. وقد كتب الخليفة إلى الأحنف يطلب منه أن لا يجاوز النهر.
4 ـ واتجه عثمان بن أبي العاص إلى إصطخر وقد اجتاز مياه الخليج العربي من البحرين ففتح جزيرة «بركاون» ونزل أرض فارس ففتح جور وإصطخر وشيراز.
5 ـ واتجه سارية بن زنيم الكناني نحو تحشد للفرس فحاصرهم فاستنجدوا بالأكراد فأمدوهم، فتكاثر العدد على المسلمين وأصبحوا في خطر كبير، عندئذ التجأ سارية إلى سفح جبل واتخذ ذروته درءاً له يحمي مؤخرته وواجه الفرس من جهة واحدة واستطاع الانتصار عليهم، ويذكر في هذا التحرك من قبل سارية نحو الجبل أن عمر بن الخطاب كان يخطب على المنبر يوم الجمعة فعرض له في خطبته أن قال: «يا سارية الجبل… الجبل… من استرعى الذئب فقد ظلم». ويذكر أن سارية قد سمع كما سمع المسلمون الذين يسمعون خطبة عمر ذلك الكلام في تلك الساعة. فعدل بالمسلمين إلى الجبل وفتح الله عليهم.
6 ـ وسار عاصم بن عمرو التميمي على رأس قوة من أهل البصرة إلى إقليم سجستان ففتح المنطقة ودخل عاصمتها «زرنج».
7 ـ وسار سهيل بن عدي الخزرجي بجيش إلى كرمان ففتحها.
8 ـ وانطلق الحكم بن عمير التغلبي بقوة إلى «فكران» والتقى المسلمون على شاطىء هناك بالفرس الذين عبروا إليهم لكنهم لم يصمدوا أمامهم ودخل المسلمون معسكر الفرس وقتلوا منهم عدداً كبيراً وفتحوا المنطقة كاملة.
وهكذا أتم الله على المسلمين فتح بلاد العراق وفارس والأهواز. في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
توسع جبهات القتال
وعندما جاء عهد الخليفة عثمان بن عفان توسعت جبهات القتال. وكان أمير الشام معاوية بن أبي سفيان فقام بغزو الروم ووصل إلى عمورية وكان معه من الصحابة عبادة بن الصامت وأبو أيوب الأنصاري وخالد بن زيد وشداد بن أوس.
ولقد فتح المسلمون مناطق واسعة وكان عددهم قليل بالنسبة لتلك الأراضي وهذا ما جعلهم لا يتركون في المناطق التي يصالحونها إلا الجند القليل. وهذا ما جعل أهلها يشحون في دفع الجزية ويضمرون قتال المسلمين في نفوسهم ويتحينون الفرص الملائمة لذلك. من هنا كان نقض العهود كثيراً وقد كان الفرس والروم ينتهزون الفرص المناسبة ليدعموا رجالهم في الداخل لخلق البلبلة لكنهم فوجئوا بأن قوة المسلمين على ما هي عليه لم تختلف أيام عمر عن أيام عثمان الخليفة الجديد. وقد أدب المسلمون خصومهم بحزم.
فعلى الجبهة الغربية كان عمر بن الخطاب قد منع عمرو بن العاص من التقدم في أفريقيا فدخل إلى طرابلس الغرب. إلا أن عثمان بن عفان قد سمح بذلك وأرسل قوة لفتح أفريقية. وكان عمر بن الخطاب قد نهى معاوية بن أبي سفيان عن ركوب البحر لقتال الروم خوفاً على المسلمين، فأذن عثمان بذلك لمعاوية الذي كان أول من بنى أسطولاً بحرياً لقتال الروم وفتح قبرص وجرت عدة معارك بحرية أهمها كانت «ذات الصواري» وعلى الجبهة الشرقية تم فتح أذربيجان وأرمينيا وخراسان إضافة إلى إخماد العديد من الانتفاضات في تلك المناطق وتثبيت قبضة الإسلام عليها وبسط سيطرة الدولة كاملة عليها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الثورة الشيوعية الحمراء

الثورة الشيوعية الحمراء روسيا القيصرية: كانت تسيطر على تلك البلاد جماعات وقبائل هندو أوروبية منهم ...