فصل لواء اسكندرون

فصل لواء اسكندرون
الإسكندرون منطقة سورية معروفة باسم «لواء اسكندرون» ضمت إلى تركيا عام 1938م وباتت تحمل اسم «محافظة هاتاي»، ويقع هذا اللواء في أقصى الشمال الغربي من سوريا وتبلغ مساحته 18 ألف كلم2، كان يسكنه عام 1939م 220 ألف نسمة منهم 87 ألف نسمة فقط أتراك. وقد ظهرت أول إشارة حول النزاع حول هذا اللواء عام 1915م في مراسلات حسين مكماهون حين أشار مكماهون إلى فصل هذه المنطقة زاعماً أن سكانها ليسوا عرباً، وقد رفض الشريف حسين هذه الادعاءات إلا أنه تنازل عن مرسين وأضنة فقط. وعندما عقد الحلفاء معاهدة الصلح مع الدولة العثمانية في 10 آب 1920م (معاهدة سيغر) تنازلت الدولة العثمانية عن منطقتي الإسكندرون وكيليكيا، لكن هذه المعاهدة أثارت ثائرة بعض الأتراك فالتفوا حول مصطفى كمال (أتاتورك) الذي قاد حركته في شرقي الأناضول ورفض الاعتراف بمعاهدة سيغر ووضع «ميثاق المجلس الوطني الكبير» الذي أعلن بموجبه إعادة تكوين تركيا من جميع أجزاء الدولة العثمانية التي تسود فيها غالبية تركية.
وقد قام «الكماليون» باستغلال الأوضاع الدولية لصالحهم فاستطاعوا إقناع السوفيات بالاعتراف بميثاقهم المعهود وعدم الاعتراف بمعاهدة سيغر، كما قاموا بعقد معاهدة مع فرنسا سميت معاهدة أنقرة قدمت فيها فرنسا لتركيا بعض الامتيازات في لواء اسكندرون واعتبروا اللغة التركية اللغة الرسمية وذلك عام 1921م، وفي 24 تموز 1923م عقد الحلفاء معاهدة الصلح مع حكومة تركية الجديدة (معاهدة لوزان) التي أقرت معاهدة انقرة حيث أصبحت تركيا تتذرع بهذه المعاهدة في مطالبتها فيما بعد بلواء اسكندرون. ثم استغلت تركيا انشغال فرنسا بإخماد الثورة السورية الكبرى فطالبت بتعديل الحدود السورية التركية، فعدلت لمصلحتها، ثم عادت ثانية للمطالبة بتعديل الحدود من جديد وكان لها ذلك ثم قادت تركية حملة دبلوماسية بهذا الخصوص ونجحت باستصدار قرار من مجلس عصبة الأمم يقضي بتعيين وسيط خاص للنظر بهذا الأمر هو السيد ساندلر ممثل السويد وقد جاء تقريره بمنح هذا اللواء استقلاله التام بشؤونه الداخلية وجعل اللغة التركية هي الرسمية وهكذا تقدمت تركية خطوة جديدة نحو فصل اللواء عن سوريا، في هذا الوقت لم يكن بيد السوريين في دمشق أي شيء فحكومة سعد الله الجابري كانت عاجزة عن التصدي لمشاريع السلخ هذه، فهي ضعيفة أمام سلطة الانتداب وهي كانت في خضم المعاهدات مع فرنسا للحصول على الاستقلال منها.
إلا أن السوريين في اللواء كانوا قد تحركوا بوجه الأتراك فقام زكي الأرسوزي بتأسيس (عصبة العمل القومي) التي أصدرت جريدة «العروبة» في 30 تشرين أول 1937م وأنشأت نادي العروبة في أنطاكية ثم في الاسكندرون وذلك في محاولة للتصدي للدعاية التركية.
وقد حاولت الحكومة السورية أن تحسم الخلاف مع تركيا بتقسيم اللواء بينهما على أن تكون مدينة اسكندرونة في القسم التركي ومدينة أنطاكية في القسم السوري إلا أن أتاتورك رفض ذلك، وفي 15 تموز 1938م اجتاز الجيش التركي حدود اللواء واحتل مدن الاسكندرونة وبيلان وقرقمان وبقي الجيش الفرنسي في باقي المدن ثم حصلت الانتخابات في ظل هذا الوجود فحصل الأتراك على 22 مقعداً والعرب السوريين على 18 مقعداً ثم قامت فرنسا في 23 حزيران 1939م بتسليم تركيا كامل أراضي اللواء وتم ذلك فعلياً في 23 تموز 1939 م.
عهد حافظ الأسد:
بقي حافظ الأسد بشكل ما محجوباً بظل محمد عمران وأمين الحافظ وصلاح جديد، وبعد الحرب فهم حافظ الأسد عبر الهزيمة وعقد العزيمة على بناء قاعدة شخصية له في القوات المسلحة. ثم اشتدت الخلافات بينه وبين زملائه في 1968م حول مختلف الأمور السياسية والحزبية وكذلك حول الموقف من الفلسطينيين وثورتهم، وسرعان ما أصبح الخلاف المتزايد بين الأسد وجديد مدار الحديث في الجيش والحزب، وخطوة بعد خطوة راح الرئيس الأسد يخرج رجال جديد من مراكز النفوذ المختلفة فطرد رئيس الأركان أحمد سويداني في شباط 1968م وعين مصطفى طلاس صديقه مكانه، واستمر الأسد في إحكام قبضته على الجيش، أما في الحزب فإن المؤتمرين القطري والقومي رفضاً أكثر طروحات الأسد، ولكنه استطاع على أي حال إزاحة اثنين من خصومه رئيس الوزراء يوسف زعني ووزير الخارجية إبراهيم ماخوس. وبانتحار عبد الكريم الجندي في 1 أذار 1969م مدير مكتب الأمن القومي في الحزب المسيطر على جهاز الأمن والاستخبارات في الدولة والسند الرئيسي لصلاح جديد تغير ميزان القوة بشكل كبير لصالح الأسد وشقيقه رفعت الذي كان ذراعه الأيمن في النزاعات الداخلية.
تدخل سوريا في أيلول الأسود:
قبل انفجار الأزمة في الأردن (أيلول الأسود 1970 م) كان الأسد قد أصبح سيد سوريا الأول ولم يكن بنزاع مع صلاح جديد حول التدخل السوري لدعم الفدائيين. فعبرت القوات السورية الحدود الأردنية (18 أيلول) وسيطرت على مدينة إربد، وكان الأسد يدير هذه العمليات شخصياً، وفي 22 أيلول أمر الحسين اللواء المدرع المعزز بالدعم الجوي بالاشتباك مع الدبابات السورية وبعد ظهر اليوم نفسه كانت الوحدات السورية عائدة أدراجها إلى سورية وكان الملك حسين قبل يومين قد طلب المساعدة من الأميركيين مشعراً إياهم بأنه على استعداد لأن يقبل تدخلاً إسرائيلياً ضد السوريين.
عندها قامت دبابات الحسين وطائراته بالاشتباك مع السوريين في 22 أيلول، فأدرك الأسد جدية الموقف ولم تكن لديه النية في الانخراط في معركة غير متكافئة مع إسرائيل ناهيك عن الولايات المتحدة.
الأمساك بالسلطة والحركة التصحيحية:
بعد أسبوع من مغادرة دبابات سوريا الأردن مات جمال عبد الناصر وبعد شهر أي في 30 تشرين الأول 1970م دعا صلاح جديد إلى مؤتمر استثنائي للقيادة القومية وكانت أولى قرارات المؤتمر أنه أمر وزير الدفاع حافظ الأسد بأن يتوقف عن إجراء أي نقل في الجيش طيلة فترة انعقاد المؤتمر، ثم أتبعه بقرارات تجرد الأسد وزميله مصطفى طلاس من مناصبهما القيادية في الجيش والحكومة إلا أن الأسد كان قد اتخذ احتياطاته ونشر قواته حول قاعة المؤتمر وعندما انتهى المؤتمر (12 تشرين الثاني) اعتقل حافظ الأسد العديد من خصومه فزج بصلاح جديد ويوسف زعني ونور الدين الأتاسي بالسجن وهرب وزير الخارجية إبراهيم ماخوس إلى الجزائر وقد أطلق الرئيس الأسد على هذه العملية الحركة التصحيحية.
وبدأ الأسد باتباع سياسة جديدة فعمل على تعديل الخطاب السياسي الذي اعتاده السوريون وكانوا بدأوا يمقتونه لكثرة ما حمل من شعارات لم تأخذ طريقها للتنفيذ الفعلي.
وتخلى عن حرب الطبقات وبدأ يوسع قاعدة تأييده الشعبية وفرغ إلى المصالحة الوطنية وفي 22 شباط 1971م أصبح متمتعاً بصلاحيات كرئيس الجمهورية وفي 12 أذار أدَّى استفتاء شعبي إلى تثبيته كرئيس للبلاد لمدة سبعة أعوام.
حرب تشرين الأول 1973 م:
لم يكن الرئيس حافظ الأسد يرى أي أمل في وجود تسوية بين العرب وإسرائيل بدون تعديل الميزان، هذا الميزان الذي اختل لصالح إسرائيل عقب حرب 1967 م. لذلك أعاد رفضه لقرار مجلس الأمن 242 على أساس أنه يعني تصفية القضية الفلسطينية ووضع تسليح الجيش وتقويته في صدارة أولوياته.
وتكثفت لقاءات القمة بين الرئيس الأسد والسادات وأغلبها كان سرياً وكذلك لقاءات قادة الجيشين السوري والمصري. وكانت الخطوة الحاسمة باتجاه الحرب في الاجتماع السري الذي عقده المجلس الأعلى للقوات المسلحة السورية والمصرية في 21 و 23 آب 1973م وقام رئيسا الأركان السوري يوسف شكور والمصري سعد الدين الشاذلي بالتوقيع على وثيقة رسمية تتضمن نيتهما المشتركة لخوض الحرب. وتقررت ساعة الصفر في اجتماع سري بين الأسد والسادات في القاهرة عقداه على هامش لقاء قمة ثلاثي مع الملك حسين في 12 أيلول 1973م وفي منزل الرئيس الأسد بدمشق تم الاتفاق على أن تكون ساعة الصفر في الثانية والدقيقة الخامسة من بعد ظهر السادس من تشرين الأول 1973 م. وفي اليوم الأول للحرب اجتاح المصريون والسوريون حواجز الدفاع الإسرائيلية على جبهتي سيناء والجولان في واحدة من أبرز حالات العبور في تاريخ الحروب. حيث استطاعت مصر عبور قناة السويس ودمرت خط بارليف وأنشأوا خمسة مواقع دفاعية جديدة وبالمقابل كانت سوريا قد وصلت إلى حدود نهر الأردن وأطراف بحيرة طبريا وكانت هذه مفاجئة لإسرائيل والعالم. إلا أن الأمور تغيرت في الأيام التالية فانهارت استراتيجية القتال على الجبهتين فلم تتقدم مصر من القناة كما توقع السوريون والعرب بل قاتلت سوريا وحدها أسبوعاً طويلاً فتغلبت إسرائيل عليها بداية ثم تغلبت على مصر بالنهاية.
فقد تبين فيما بعد أن السادات بعد 24 ساعة على بدء الحرب أرسل إلى هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي رسالة يشرح له فيها شروط السلام ويضيف أنه لا يريد تعميق الاشتباكات ولا أن تتوسع المواجهة. فأطلع كيسنجر السفير الإسرائيلي على الرسالة، فأمر موشي دايان فوراً قواته باستفراد السوريين وزجت القيادة الإسرائيلية بسلاحها الجوي ضد السوريين بمعدل (ألف طلعة جوية يومياً ضد الجولان وبالمقابل 50 طلعة جوية ضد المصريين.
وبين 8 و 13 تشرين الأول تبخرت أحلام السوريين في تحرير الجولان وقلب ميزان القوى بالمنطقة ففقدت سوريا 800 دبابة ومئات العربات المصفحة و 6 آلاف رجل وقدرت أضرار الحرب ب ـ 3,3 مليار دولار أميركي.
حاول السادات بعد ذلك إنقاذ الموقف فاتخذ في 14 تشرين الأول قراره بشن الهجوم في عمق سيناء إلا أن هذا القرار قد تأخر وكانت النتيجة تقهقر الجيش المصري وتمكنت القوات الإسرائيلية من العبور عبر الدفرسوار.
في هذا الوقت كان الأسد منهمكاً بالدفاع عن دمشق وبفضل الجسر الجوي السوفياتي تمكن من إعادة تجهيز قواته المنهكة وضغط على حلفائه العرب لمساندته فكان العراقيون أول الملبين فاشتركوا ب ـ 18 ألف جندي و 100 طائرة وأكثر من 300 دبابة وكذلك دخل لواء أردني للمساندة كما أرسل الملك فيصل 2000 مقاتل كرمز للتضامن.
بعد إلحاح من السادات وطلب سوفياتي متصلب لوقف إطلاق النار اتخذ مجلس الأمن في 22 تشرين الأول قراراً بوقف إطلاق النار رقم 338 وقبلت مصر وإسرائيل القرار، وبعد يومين قبلته سوريا وخرقت إسرائيل القرار لعدة أيام أخرى.
ثم حصلت مفاوضات بين السادات وكيسنجر ولم يتطرق السادات في محادثاته لشريكه في الحرب حافظ الأسد وفي مفاوضات الأسد كيسنجر كان الأسد يرفض البحث على أساس أنه متفق مع السادات. وبقي الأسد على رفضه وهذا مطلب الوزير الأميركي ليدبر عملية صلح منفردة هزيلة مع مصر.
عقد مؤتمر جنيف في 21 كانون الأول 1973م ضم كيسنجر أميركا وغروميكو الاتحاد السوفياتي، ومصر والأردن وإسرائيل وبعد أقل من شهر وقعت مصر وإسرائيل على اتفاقية لفصل قواتهما في سيناء بشروط مذلة لمصر.
وهكذا أصبح الرئيس السوري معزولاً ومستفرداً به ورفع العرب الحظر النفطي وأشعل كيسنجر المشاكل بين العراق والأكراد.
ثم عقد الأسد عدة لقاءات مع كيسنجر للوصول إلى اتفاق أسفر على استعادة سوريا لمدينة القنيطرة (بعد ما خربها الإسرائيليون كلها مع بنيتها التحتية) ووافقت كل من سوريا وإسرائيل على تحديد قواتهما على عمق 20 كلم من الخطوط الأمامية.
اندلعت عقب ذلك معارك إعلامية بين دمشق والقاهرة وأخرى مع بغداد. وشعر الأسد أنه وحيد على الساحة العربية وما زاد في ذلك حادثة اغتيال الملك فيصل في 25 أذار 1975م على يد شخص مختل من أفراد العائلة المالكة كان قد تلقى تعليمه في الولايات المتحدة، وقد كان الملك فيصل قومياً صلباً ودعامة مفيدة للرئيس الأسد خلال وبعد حرب تشرين وكان هو أول من بادر إلى ضخ الأموال في اقتصاد سوريا بعد الحرب من ملوك وأمراء دول الخليج العربي.
سوريا والحرب اللبنانية:
ثم جاء التحدي المباشر من لبنان حيث اندلعت فيه حرب أهلية (نيسان 1975 م) أوقعت آلاف الضحايا، وخرجت الحرب عن السيطرة في الخريف، أي في وقت اتفاق مصر مع إسرائيل. ويمكن اعتبار هذا النزاع من أخطر النزاعات التي فجرتها سياسة هنري كيسنجر في سعيه للتقدم نحو تمزيق وحدة العرب فحاول الأسد تهدئة الأمور في لبنان فاختار ثلاثة من أهم مرؤوسيه الموثوقين: عبد الحليم خدام وحكمت الشهابي وناجي جميل. فقاموا بعدة محاولات للجمع بين أطراف النزاع إلا أنها جميعها باءت بالفشل وقرر الأسد هنا أن يتدخل دون أن ينتابه أي شعور بالتردد أو الندم.
وتزايد العنف ووقعت المجازر الجماعية وارتسمت خطوط التقسيم بين المناطق اللبنانية. وهنا جاء الدور الأميركي الذي كان من المتوقع أن يحذر من أن تدخل سوريا سيؤدي إلى تدخل إسرائيل، لكن دهاء كيسنجر قلب المعادلة تجاه لبنان فكانت الرسالة أنه إذا لم تتدخل سوريا فتدخل إسرائيل وتدخل سوريا هنا بقي أنه سيكون بوجه الفلسطينيين والقوى اليسارية المحاصرة للقوى المسيحية. وهذا يعني سحق الفلسطينيين.
وبالمقابل كان المبعوث الأميركي في لبنان دين براون يكمل لعبة التقسيم فزار كمال جنبلاط زعيم القوى اليسارية وأفهمه بطريقة غير مباشرة موافقته على التقسيم، وأما الجانب المسيحي الرابض في مناطقه والمؤلف من الرئيس سليمان فرنجية ورئيس حزب الكتائب بيار الجميل ورئيس حزب الوطنيين الأحرار كميل شمعون فقد أفهمهم أنه ليس بوسع أميركا إنقاذهم من احد وأن خلاصهم يكمن في تمتين علاقاتهم مع إسرائيل وهكذا تم شحن آلة الحرب اللبنانية.
وفي 31 أيار 1976م دخلت القوات السورية المدرعة الحدود اللبنانية وفكت حصار الفلسطينيين والقوة اليسارية عن المعاقل المسيحية بدءاً من مدينة زحلة، وفي منتصف تشرين الثاني دخلت القوات السورية إلى غربي بيروت فاختفت القوات اليسارية الخاصة من الشوارع.
إلا أن هدف الرئيس حافظ الأسد الأساسي ألا وهو وقف الاقتتال الطائفي ومنع أي فريق من القضاء على الفريق الآخر ومنع تدخل إسرائيل في ذلك بدأ يضيع سدىً. إذ منذ نهاية 1976م كانت إسرائيل قد تدخلت بالشؤون اللبنانية وكانت تتباهى بعلاقتها الحميمة مع الموارنة التي أحبت توطيدها بإرسال شحنات الأسلحة إلى مرفأ جونية ما أثار غضب العرب والرئيس الأسد.
من جهة ثانية كان جيمي كارتر قد انتخب رئيساً للولايات المتحدة خلفاً لنيكسون وقد بدا الرجل صاحب تكوين إنساني يعطي مسائل العدل وحقوق الإنسان محلاً محورياً في تفكيره، وفي سياق الأمل التقى كارتر بالأسد في جنيف في 9 أيار 1977م فكان هناك بعض التفاؤل.
إلا أن هذا التفاؤل لم يؤد إلى شيء فالأسد لم ير كارتر مجدداً وانقطعت سورية عن عملية السلام، وكان العامل الأساسي بذلك هو فوز الليكود في إسرائيل بزعامة مناحم بيغين وأصبحت أهم قضية عنده هي منع عودة الضفة الغربية للعرب وتدمير سياسة كارتر في الشرق الأوسط. وفعلاً استطاع اللوبي الصهيوني من الضغط على كارتر سحب الورقة الأميركية السوفياتية حول مؤتمر جنيف واستبدلت بورقة أميركية إسرائيلية استبعدت كل تفاوض عربي إلا على أساس ثنائي وهكذا استطاعت فرض فكرتها التي تؤدي إلى مفاوضة كل طرف عربي على حدة وبدأت باصطياد السادات عبد حليفيها شاه ايران رضا بهلوي والزعيم الروماني تشاو شيسكو وفي 9 تشرين الثاني 1977م أعلن السادات أنه مستعد للذهاب إلى الكنيست الإسرائيلي بحثاً عن السلام، وقبل سفره بيومين زار السادات دمشق والتقى بالرئيس الأسد الذي حاول إقناعه بمخاطر ما هو مزمع عليه فكان اللقاء الأخير بين الرئيسين وأعلن يوم 19 تشرين الثاني في سوريا يوم حداد وطني. وهكذا استطاعت أميركا وإسرائيل بتحييد أكبر وأقوى دولة عربية عن الصراع. فقام الرئيس الأسد بعد ذلك بتشكيل «جبهة الصمود والتصدي» في 5 كانون الأول 1977م المؤلفة من سوريا والجزائر واليمن ومنظمة التحرير الفلسطينية وليبيا.
وقع الأسد والرئيس السوفياتي بريجينيف في 8 تشرين الأول 1980م اتفاقية للتعاون والصداقة مدتها عشرين عاماً.
وفي 2 ـ 5 تشرين الثاني 1978م تمت القمة العربية في بغداد لإدانة السادات وكان الرئيس العراقي صدام حسين قد بذل مجهوداً كبيراً لإقناع الرئيس الأسد بحضور هذه القمة التي أعادت نوعا ما العلاقة السورية العراقية إلى طبيعتها، وقد كان من نتيجة هذه القمة طرد مصر من الجامعة العربية، ونقل مقر الجامعة من القاهرة إلى تونس.
أما التحالف السوري العراقي الذي تم من أجل الحصول على هذه النتائج فإنه سرعان ما تبخر من جديد وعادت العلاقات إلى التأزم من جديد بعد عام 1979 م.
إضافة إلى هذا الوضع الخارجي المتأزم كان الوضع الداخلي يسير بسرعة كبيرة نحو الانفجار. فحادثة مدرسة الضباط في حلب (16 حزيران 1979 م) التي أودت بحياة عدد كبير من الضباط البعثيين ومعظمهم من العلويين وكان قد سبقها حوادث اغتيالات طالت عدة شخصيات معظمهم من العلويين فاضطر الرئيس الأسد إلى مواجهة تلك الصعوبات الداخلية بحزم شديد وقد أوكل تلك المهمة إلى شقيقه الأصغر رفعت الأسد.
وجاءت المعركة الحاسمة لصالح الحكم في حماة أوائل شباط 1982 م. بالجهة الخارجية كان الوضع في إيران قد انقلب جذرياً وقامت الثورة الإسلامية بقيادة الخميني وقد رحب الأسد باستيلاء الخميني على السلطة وطرد الشاه من البلاد لما قدمه هذا الأخير من مساعدة لبيغين لإيقاع السادات. وقد بذل الرئيس الأسد جهداً لإقناع العرب بأن إيران الخميني غير إيران الشاه، وجاءت أولى أعمال الثورة الإيرانية لتدعم أقوال الأسد فقد هاجم الخميني أميركا ومزق اتفاقيات الشاه معها وسلم مقر السفارة الإسرائيلية في طهران إلى منظمة التحرير الفلسطينية.
وقبيل اندلاع الحرب العراقية الإيرانية كان التباعد بين العراق وسوريا في تزايد تغذيه مختلف المسائل (الحزبية والاقتصادية والمياه وأنابيب النفط والسياسة….) ومنذ بداية الحرب شجبها الرئيس الأسد واعتبرها حرباً خاطئة في غير زمانها ومكانها. في هذه الأثناء كانت الأوضاع في لبنان تسير نحو التأزيم فقد حصلت مشكلة بطاريات صواريج سام السورية وقد اعترضت إسرائيل على وجودها في سهل البقاع اللبناني وقد تدخل الوسيط الأميركي فيليب حبيب لحل هذه الأزمة.
وفي تشرين الأول 1981م اغتيل أنور السادات في مصر، ثم وقع وزير الدفاع الأميركي واينبرغر مع أرييل شارون وزير الدفاع الأسرائيلي مذكرة تفاهم، ثم أعلن بيغين ضم مرتفعات الجولان في 14 كانون الأول 1981م ثم عمل بيغين على تحقيق أهداف ثلاثة:
1 ـ إبادة منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان.
2 ـ إخراج القوات السورية من لبنان.
3 ـ تنصيب رئيس لبناني متعاون معها يقيم معها معاهدة سلام وهو «بشير الجميل».
وعلى هذا الأساس فقد أخذت إسرائيل الضوء الأخضر من أميركا واحتجت بقيام الفلسطينيين بمحاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن فقامت باجتياح لبنان عام 1982م. وقد حاول بيغين إيهام السوريين أنهم غير مستهدفين في هذه الحرب، إلا أن الواقع كان عكس ذلك فقد قامت الطائرات الإسرائيلية بقصف مواقع بطاريات الصواريخ بالبقاع وقد قامت الطائرات السورية بمواجهة الطائرات الإسرائيلية وجرت معركة عنيفة بالطائرات كما أن اشتباكات برية قد حصلت في منطقة راشيا في البقاع الغربي.
وضربت القوات الإسرائيلية حصاراً على مدينة بيروت، ولم توقف أسرائيل النار عن بيروت إلا عندما تعهد فيليب حبيب بأن يخرج الفلسطينيين من بيروت سلماً.
وهذا ما حدث ففي أول أيلول 1982م خرج من بيروت المقاتلون الفلسطينيون بحراً باتجاه تونس وبعض البلاد العربية الأخرى وانسحبت القوات السورية إلى البقاع.
ودخلت القوات الإسرائيلية إلى بيروت وتم انتخاب بشير الجميل رئيساً للبنان غير أنه اغتيل بعد عدة أيام من انتخابه فقامت إسرائيل بمجزرة صبرا وشاتيلا الشنيعة ثأراً للجميل وتصفيته حسب زعمها لما تبقى من فلسطينيين في المخيم.
بعد مقتل بشير الجميل انتخب مجلس النواب اللبناني شقيقه أمين الجميل الذي أكمل نهج أخيه بشير فوقع مع الإسرائيليين اتفاق سلام عرف باسم اتفاق 17 أيار.
فعمل الأسد بكل جهده على إسقاط هذا الاتفاق فتشكلت في لبنان جبهة الإنقاذ الوطني، وقد سعى جورج شولز وزير خارجية أميركا على إبقاء سوريا على هذا الاتفاق، إلا أن كل الأوضاع كانت على الأرض تصب لصالح الأسد وأسقط الاتفاق، وبدأت إسرائيل تتراجع تحت ضرب عمليات المقاومة اللبنانية واستطاع الرئيس الأسد المحافظة على عروبة لبنان ومنعه من الانزلاق في عقد أي صلح مذلٍ مع إسرائيل.
وعلى الساحة الداخلية فإن بروز نشاط رفعت الأسد وقد تمكن من أن يصبح على رأس قوة عسكرية وحزبية وسياسية منافسة للأسد، بل خطرة عليه وعلى نظامه، ووصلت المواجهة إلى حد كبير حيث قام كل منهما بتوزيع قواته في دمشق استعداداً للمعركة الفاصلة لولا أن تدارك حافظ الأسد الموقف في اللحظة الأخيرة واستطاع بحنكة فائقة ومن موقع الرئيس والأخ الأكبر أن يعيد مسك الوضع بشكل جيد وانتهى رفعت الأسد منفياً في باريس منذ عام 1986 م.
وفي 10 شباط 1986م أعيد من جديد انتخاب حافظ الأسد رئيساً للجمهورية لولاية ثالثة لسبع سنوات أخرى.
لقد أولى الأسد في ولايته الثالثة الاقتصاد اهتماماً كبيراً فأطلق سياسة الانفتاح الاقتصادي نوعاً ما وسار في المشاريع الاقتصادية الكبرى المربحة للاقتصاد السوري بدءاً من الأعمال في مرفأ اللاذقية وانتهاء بمشاريع الري في الجولان.
إلا أن عدة صعوبات أقليمية ودولية كانت دائماً تقف بوجه سوريا، فالولايات المتحدة عادت تطرق على نغمة التهديد بحجة «الإرهاب» ودعم الإرهاب وازدادت الضغوط على سوريا فقطعت بريطانيا علاقاتها الدبلوماسية معها وغادر سفيرا أميركا وكندا دمشق وقررت المجموعة الأوروبية تعليق الاتصالات الدبلوماسية أيضاً وفرضت المراقبة على الخطوط الجوية والبعثات السورية في 10 تشرين الثاني 1986 م. وبعد أيام أعلنت الولايات المتحدة عن عقوبات اقتصادية لإرغام سورية على إيقاف دعمها للإرهاب على حد زعمها.
فعاد الأسد وسلك سياسة الاعتدال والمعادلة والتوازن إقليمياً ودولياً، فاستطاع أن يسعى بحنكة وذكاء للتوفيق في سياسته بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة وبين العراق أو البلدان العربية وإيران وكله في آن واحد وكانت أولى نتائج هذه السياسة إعلان الكويت استئناف مساعدتها الاقتصادية السورية، ثم لعبت سوريا دوراً بارزاً وهاماً في إطلاق سراح الرهائن الأوروبيين والأميركيين في بيروت واستطاعت بدخولها الأخير إلى بيروت الغربية وإيقاف المعارك الدائرة هناك، وتحدث الأسد بنفسه مديناً للإرهاب وأن سوريا أيضاً تقع ضحيته من خلال التفجيرات التي تحصل بأراضيها. وتمكن الأسد من ترتيب هذه الأمور التي جاءت لمصلحته. فلم يعد هناك من يتكلم بالإرهاب ويتهم سوريا بدعمه.
إلا أن هذه النغمة أعيد عزفها من جديد في ربيع عام 1992م فعاد التوتر بين أميركا وأوروبا من جهة وسوريا من جهة أخرى: بحجة دعم حزب الله وانتهاك حقوق الإنسان ودعم حركة حماس…
إلا أن الرئيس الأسد كان يستغل أي مناسبة ليرفض هذه التهم ويردها عن سوريا، كما كان يسعى إلى الالتزام بقرارات الأمم المتحدة بهذا الخصوص فنجد أن سوريا قد وافقت على الحظر الجوي على ليبيا بسبب اتهامها بإيواء اثنين من المتهمين بتفجير الطائرة الأميركية في (21 كانون الأول 1988 م).
سوريا وحرب الخليج الثانية:
اجتاحت الجيوش العراقية الكويت في آب 1990م فعقدت قمة عربية طارئة في القاهرة وانقسمت البلاد العربية بين مؤيد ومحايد ومعارض للعراق سوريا أدانت الغزو العراقي للكويت وقررت إرسال قوات سورية رمزية إلى السعودية، متهمة بغداد بتقديم الذريعة للأميركيين لإرسال قواتهم إلى المنطقة وسنحت بنفس الوقت للمنظمات الفلسطينية في دمشق أن تشن هجوماً إعلامياً على الوجود الغربي في الخليج العربي. وعمل الرئيس الأسد على حل الأزمة سلمياً تطلب من الرئيس العراقي الانصياع لقرارات الأمم المتحدة القاضية بسحب قواته من الكويت لتجنيب الأمة العربية مخاطر عظيمة.
وفي 17 كانون الثاني 1991م أطلقت الغارات الجوية الأولى على العراق وبعد خمسة أيام من القصف الجوي المتواصل بدأت الجيوش العراقية بالانسحاب من الكويت.
تسوية الوضع النهائي في لبنان:
تركز الاهتمام في لبنان على الموعد المقرر لانتخاب رئيس جديد يخلف أمين الجميل وتعقد الموقف ولم تجر انتخابات الرئاسة وانتهى وقت الجميل على حكومتين مختلفتين أحداهما برئاسة سليم الحص والثانية برئاسة العماد ميشال عون الذي حكم منطقة محاصرة من كل الجهات مساحتها لا تتعدى 1500 كلم2، فأطلق في 14 أذار 1989م حرب التحرير ضد السوريين فتشكلت لجنة عربية خاصة لحل الأزمة اللبنانية تمثلت بالملك فهد بن عبد العزيز والملك الحسن الثاني والرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد التي عملت على اتفاق خاص جمعت عليه النواب اللبنانيين في الطائف سمي «اتفاق الطائف» في 22 تشرين الأول 1989 م.
وكانت دمشق من مؤيدي الطائف ورفض ميشال عون هذا الاتفاق واعتبر الرئيس اللبناني إلياس الهراوي (الذي انتخب رئيساً للجمهورية عقب اغتيال الرئيس رينيه معوض) غير شرعي ثم قام عون بحرب الإلغاء (يهدف منها إلغاء الميليشيات المسلحة القوات اللبنانية في مناطقه) وكانت حرباً شرسة بين الفريقين، فطلب الرئيس الهراوي من الرئيس الأسد التدخل لوضع حد للوضع المتدهور، فقامت سوريا مع الجيش اللبناني الشرعي بقيادة إميل لحود في 13 تشرين الثاني بدخول المناطق التي يسيطر عليها ميشال عون وبعد ساعات على بدء المعارك أعلن عون الاستسلام ولجأ إلى السفارة الفرنسية وهكذا بسطت الشرعية اللبنانية سيطرتها على كامل الأراضي اللبنانية وأقرت قرار حل جميع الميليشات وسلمت أسلحتها إلى الجيش اللبناني، وتمت هذه العملية برعاية رئيس الأركان السوري العماد حكمت الشهابي، ثم وقع الرئيسان الأسد والهراوي في 22 أيار 1991م معاهدة أخوة وتعاون وتضامن.
سوريا ومؤتمر السلام الدولي:
لقد كان هنالك عدة أسباب سياسية خارجية دعت إلى تغيير سوريا لسياستها ولنظرتها إلى السلام مع إسرائيل أهم هذه الأسباب:
ـ عودة الحوار بشكل قوي بين الاتحاد السوفياتي وإسرائيل الذي أدى إلى هجرة كثيفة لليهود السوفيات إلى إسرائيل.
ـ كثافة الاتصالات بين العرب والإسرائيليين وخاصة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
ـ نقض الاتحاد السوفياتي لكل تعهداته لسوريا السابقة.
إضافة إلى الضغط المتواصل من الولايات المتحدة على سوريا.
فعقد على هذا الأساس في 30 تشرين الأول 1991م مؤتمر السلام الدولي في مدريد برعاية أميركية سوفياتية وحضور كل من سوريا والأردن وفلسطين ولبنان وإسرائيل. ومن هذا المؤتمر انطلقت المفاوضات الثنائية بين العرب والإسرائيليين.
المفاوضات السورية الإسرائيلية:
جلس السوريون والإسرائيليون على طاولة المفاوضات وكانت صعبة في أول الأمر بسبب تعنت الحكومة الإسرائيلية وحكومة الليكود برئاسة إسحق شامير وفي قراراتها ببناء المستوطنات، إلا أن نجاح حزب العمل في الانتخابات الإسرائيلية ومجيء إسحق رابين على رأس الحكومة الإسرائيلية غيّر الأوضاع فقد قرر تجميد المستوطنات السياسية فدارت الجولة السادسة من المفاوضات بين 24 آب و 25 أيلول 1992م في جو خف فيه التوتر.
وقد أصبحت دمشق في تلك الفترة مركز لقاء العرب المفاوضين لإسرائيل على أساس الصف الواحد. إلا أن المفاوضات السرية بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل لم تكن قد توقفت بل وصلت إلى اتفاق بينهما سمي «اتفاق أوسلو» مكان المفاوضات الجماعية.
وقد وقع الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي على هذا الاتفاق رسمياً في 13 أيلول 1993م في واشنطن أعلنت فيه إسرائيل عن استعدادها إعادة غزة وأريحا للفلسطينيين ليقيموا عليها حكماً ذاتياً مستقلاً على أن تتبع لاحقا بتنازلات أخرى.
لم يوافق السوريون واللبنانيون والأردنيون على هذا الاتفاق إلا أن مصر ودول الخليج رحبت به.
وفي 16 كانون الثاني 1994م التقى الرئيسان الأميركي بيل كلنتون والسوري حافظ الأسد في جنيف، وقد بدى على الرئيس الأسد بعض الاطمئنان بعد اللقاء، وأشرفت المفاوضات الثنائية على الاستئناف إلا أن وقوع مجزرة الخليل (25 شباط 1994 م) على يد مستوطن يهودي أدى إلى انسحاب الوفود السورية واللبنانية والأردنية، واستمر ياسر عرفات في مفاوضاته إلى أن وقع اتفاقاً جديداً بالقاهرة في 4 أيار 1994م حول نقل السلطة إلى غزة وأريحا. وفي 11 تموز 1994م غادر ياسر عرفات تونس مركز منظمة التحرير بعد 11 سنة من بقائه فيها وتوجه إلى غزة ليقيم فيها «السلطة الفلسطينية».
وفي 25 تموز 1994م أعلن عن اتفاق «وادي عربة» بين الأردن وإسرائيل أيضاً، وتالياً وجهت ضربة أخرى للرفض السوري ولوحدة المفاوضات العربية.
ثم عملت سوريا على تعزيز موقفها مع الدول العربية فعقدت قمة ثلاثية بين الرئيس الأسد والرئيس المصري مبارك والملك السعودي فهد في الإسكندرية في 28 ـ 29 كانون الأول 1994 م. وقد كانت نتائج هذه القمة إيجابية إذ أخذت دول الخليج والأردن تخفف من اندفاعها باتجاه إسرائيل بل وراحت تبدي بعض الصمود تجاه ضغوطات واشنطن وتعلن دعمها لموقف دمشق.
بعد ذلك اعترف رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد شميون بيريز الذي جاء عقب أغتيال اسحق رابين على يد احد المتطرفين اليهود في 4 تشرين الثاني 1995م بالدور الأساسي لسورية في المنطقة وتمنى العودة إلى المفاوضات الثنائية دون شروط مسبقة.
وعاد الوفدان إلى واشنطن في 27 كانون الأول 1995م لإجراء سلسلة من المحادثات السرية وكانت هذه المفاوضات تسير قليلاً وتتعثر كثيراً بسبب الأصرار السوري على ضرورة الانسحاب أولاً من الجولان وجنوب لبنان ومن ثم الدخول في مناقشة باقي المواضيع.
ثم توقفت المفاوضات بعد انسحاب الجانب الإسرائيلي بسبب ثلاث عمليات استشهادية نفذتها حركة المقاومة الإسلامية حماس، فقررت إسرائيل مقاطعة المفاوضات واتهمت الأسد بدعم جبهة الرفض في دمشق، وكان الرد السوري أن مثل هذه العمليات هي نتيجة طبيعية للاحتلال في فلسطين وفي جنوب لبنان.
وعقدت في مصر قمة دولية لمواجهة الإرهاب في 13 أذار 1996م لم تقدم شيئاً، فقام بيريز بشن حملة عسكرية على لبنان «عناقيد الغضب» بحجة ضرب «حزب الله» إلا أنه لم يستثن منطقة في لبنان من غاراته الجوية إلا أن هذه الحملة باءت بالفشل الذريع خاصة بعد عرض المجزرة التي قام بها الإسرائيليون في «قانا»، وقامت سوريا ولبنان باستغلال هذه الأحداث لمصلحتهما إذ استطاعا تشريع عمل المقاومة في الجنوب مع بعض الشروط الهامشية وذلك فيما عرف بتفاهم نيسان.
خسر بيريز بالانتخابات وحل محله بنيامين نتنياهو رئيساً للحكومة عن حزب الليكود الذي نسف كل ما كانت الحكومة السابقة قد تعهدت بقيامه حول السلام فأعلن عن رفض إسرائيل القبول بدولة فلسطينية والتفاوض حول القدس، كما لم يعد وارداً الانسحاب من الجولان. وقد تزامن ذلك مع زيادة عملية الاستيطان في الجولان وباقي الأراضي المحتلة.
هذا التصعيد المفاجىء من الجانب الإسرائيلي دعا سوريا إلى دعوة البلدان العربية لعقد قمة طارئة هي الأولى بعد حرب الخليج الأولى وعقدت القمة في القاهرة في 22 حزيران 1996م ودعت إلى استئناف المفاوضات على قاعدة المؤتمر الدولي في مدريد وأكدت على ضرورة التمييز بين الأرهاب وأعمال المقاومة. يذكر أن الرئيس حافظ الأسد مني بنكسة كبيرة وذلك بخسارته لابنه البكر باسل في 21/1/1994م في حادث سيارة على طريق مطار دمشق الدولي، ومعلوم أن الرئيس حافظ الأسد كان يعد ابنه باسل لأخذ دور مهم في السياسة السورية خاصة أنه كان على صلة بالعديد من القضايا السياسية المحلية والخارجية وكان برتبة رائد ركن وبوفاة باسل انتقل الاهتمام إلى شقيقه الأصغر الدكتور بشار الأسد الذي باشر تدريباته بالتحاقه بالمدرسة الحربية وتدرجه بالرتب العسكرية أضف إلى ذلك أنه قد أسندت إليه بعض القضايا السياسية على الساحة الداخلية، وعلى الساحة الخارجية رافق ذلك زياراته للعديد من الدول العربية وعلاقاته مع العديد من المسؤولين العرب.
وفي شباط 1998م تم تجديد انتخاب الأسد لولاية رابعة على التوالي بأغلبية ساحقة بلغت 99,9.
العلاقة السورية التركية:
في 23 تموز 1998م وفي أقوى تهديد تركي لسوريا، أكد رئيس الوزراء التركي مسعود يلماظ أن من يضع عينيه على الأراضي التركية مصيره العمى وذلك في الذكرى ال ـ 59 لضم إقليم الإسكندرون إلى تركية.
وفي الثالث من تشرين الأول وجهت أنقرة تهديدات لدمشق، فأعلنت أن الجيش التركي ينتظر الأوامر للتحرك ضد سوريا بحجة دعمها حزب العمال الكردستاني ودخلت الدبلوماسية الإيرانية والمصرية على خط معالجة الأزمة الناجمة بين سوريا وتركيا.
وفي 6 تشرين الأول وجه رئيس الوزراء التركي «مسعود يلماظ» ما وصفه بتحذير أخير إلى سوريا مطالباً إياها بتسليم رئيس حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان. وقد رفضت أنقرة إجراء مفاوضات مباشرة مع سوريا حتى يتأكد لها أنها أوقفت دعمها لحزب عبد الله أوجلان.
وفي 20 تشرين أول توصلت دمشق وأنقرة إلى اتفاق أمني تعهدت الأولى بموجبه إغلاق معسكرات حزب العمال الكردستاني في سوريا والبقاع اللبناني وذلك بعد ثلاثة أسابيع من أزمة كادت تتحول إلى نزاع إقليمي.
وفي عام 2000م توفي الرئيس حافظ الأسد وإثر هذا الحدث الجلل في نفوس الشعب السوري والشعوب العربية لما للرئيس الأسد من مواقف عربية صلبة وقفها في وجه العدو الصهوني. وقد انتخب ابنه الدكتور بشار الأسد لقيادة سوريا ومتابعة مسيرة والده بالحفاظ على الثوابت العربية وعدم التنازل عن الأراضي العربية المحتلة ومتابعته لتحديث وتطوير سوريا والدخول إلى الألفية الجديدة عبر المباشرة بتحديث القطاعين العام والخاص كما شهدت سوريا من بداية تولية الحكم تغييرات اقتصادية بارزة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أصل العرب

أصل العرب أصل العرب من اليمن من بنو قحطان العرب العاربة ولكن يقول العلامة سديو ...