قراءات القرآن

قراءات القرآن
يعرف المسلمون أن القرآن يقرأ على ضروب شتى مختلفة على حسب اختلاف لغات العرب فعدد القراءات أربع عشرة منها سبع متواترة وثلاث رواها الآحاد وأربعة شاذة ومعنى متواترة أي رواها قوم يؤمن تواطؤهم على الكذب ورواها عنهم مثلهم إلى أن وصلت إلينا. وأما رواية الآحاد فهي التي روتها أفراد. والشاذة هي التي شذت عن القيود والحدود التي وضعت للقراءة. ولكل من هذه الأنواع حكم خاص.
قال العلامة نظام الدين الحسن بن محمد النيسابوري في تفسير (غرائب القرآن ورغائب الفرقان):
»القراءات السبع متواترة لا بمعنى أن سبب تواترها أطباق القراء السبعة عليها بل بمعنى أن ثبوت التواتر بالنسبة إلى المتفق على قراءته كثبوته بالنسبة إلى كل من المختلف في قراءته ولا مدخل للقارىء في ذلك إلا من حيث أن مباشرته لقراءته أكثر من مباشرته لغيرها حتى نسبت إليه. وإنما قلنا: إن القراءات متواترة لأنه لو لم تكن كذلك لكانت بعض القراءات غير متواترة كملك ومالك ونحوهما إذ لا سبيل إلى كون كليهما غير متواتر. فإن أحدهما قرآن بالاتفاق وتخصيص أحدهما أنه متواتر دون الآخر تحكم باطل لاستوائهما في النقل فلا أولية فكلاهما متواتر. وإنما يثبت التواتر فيما ليس من قبيل الأداء كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة ونحوها.
(الثانية): اتفقوا على أنه لا يجوز القراءة في الصلاة بالوجوه الشاذة لأن الدليل ينفي جواز القراءة بها مطلقا لأنها لو كانت من القرآن لبلغت في الشهرة إلى حد المتواتر عدلنا عن الدليل في جواز القراءة خارج الصلاة للاحتمال فوجب أن تبقى قراءتها في الصلاة على أصل المنع.
(الثالثة): السبعة الأحرف التي نزل بها القرآن في قوله: »إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف لكل آية منه ظهر وبطن ولكل حد مطلع» عند أكثر العلماء أنها سبع لغات من لغات قريش لا تختلف ولا تتضاد بل هي متفقة المعنى وغير جائز عندهم أن يكون في القرآن لغة لا تعرفها قريش لقوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم}[إبراهيم: 4]وذلك أن قريشا تجاور البيت وكان أحياء العرب تأتي إليهم للحج ويستمعون لغاتهم ويختارون من كل لغة أحسنها فصفا كلامهم واجتمع لهم مع ذلك العلم بلغة غيرهم. ومما يدل على أن سبعة الأحرف هي سبع لغات متفقة المعنى ما روى عن ابن سيرين أن ابن مسعود قال اقرؤوا القرآن على سبعة أحرف وهو كقول أحدكم هلم وتعال وأقبل.
»وقال بعضهم أنها سبع قبائل من العرب قريش وقيس وتميم وهذيل وأسد وخزاعة وكنانة لمجاورتهم قريشا.
»وقيل سبع لغات من أي لغة كانت من لغات العرب مختلفة الألفاظ متفقة المعاني لقوله أنه قد وسع لي أن أقرىء كل قوم بلغتهم.
»وقيل معناه أن يقول في صفات الرب تبارك وتعالى مكان قوله غفوراً رحيماً، عزيزاً حكيماً، سميعاً بصيراً. لما روى أنه قال اقرأوا القرآن على سبعة أحرف ما لم تختموا مغفرة بعذاب أو عذابا بمغفرة أو جنة بنار أو نارا بجنة».
»وقيل إن لفظ السبعة في الخبر جاءت على وجهة التمثيل لأنه لو جاء في كلمة أكثر من سبع قراءات جاز أن يقرأ بها.
»وعن مالك بن أنس أنه كان يذهب في معنى السبعة الأحرف إلى أنه كالجمع والتوحيد في مثل وتمت كلمة ربك وكلمات ربك. وكالتذكير والتأنيث في مثل لا يقبل ولا تقبل. وكوجوه الأعراب في مثل هل من خالق غيرُ اللّه وغيرِ اللّه وكوجوه التصريف في مثل يعرُشون ويعرِشون وكاختلاف الأدوات في مثل قوله ولكن الشياطين بالتشديد ونصب ما بعدها، وبالتخفيف والرفع، وكاختلاف اللفظ في الحروف نحو تعلمون بالتاء والياء وننشرها بالراء والزاي. وكالتخفيف والتفخيم والإمالة والمد والقصر والهمز وتركه والإظهار والإدغام ونحوها.
»وذهب جماعة إلى حملها على المعاني والأحكام التي ينتظمها القرآن دون الألفاظ من حلال وحرام ووعد ووعيد وأمر ونهي ومواعظ وأمثال واحتجاج وغير ذلك واستبعده المحققون من قبيل أن الأخبار الواردة في مخاصمة الصحابة في القراءة تدل على أن اختلافهم كان في اللفظ دون المعنى.
»قال بعض العلماء إني تدبرت الوجوه التي تتخالف بها لغات العرب فوجدتها على سبعة أنحاء لا تزيد ولا تنقص وبجميع ذلك نزل القرآن.
»الوجه الأول إبدال لفظ بلفظ كالحوت بالسمك وبالعكس، وكالعهن المنفوش قرأها ابن مسعود كالصوف المنفوش.
»الثاني إبدال حرف بحرف كالتابوت والتابوه.
»والثالث تقديم وتأخير إما في الكلمة نحو سُلب زيد ثوبه وسُلب ثوب زيد. وأما في الحروف نحو: أو لم ييأس الذين وأفلم يأيس.
»الرابع زيادة حرف أو نقصانه نحو ماليه وسلطانيه، فلا تك في مرية.
»الخامس اختلاف حركات البناء نحو تحسبن بفتح السين وكسرها.
»السادس اختلاف الإعراب نحو ما هذا بشرا وقرأ ابن مسعود بالرفع.
»والسابع التفخيم والإمالة.
وهذا اختلاف في اللحن والتزيين لا في نفس اللغة والتفخيم أعلى وأشهر عند فصحاء العرب.
»فهذه الوجوه السبعة التي بها اختلفت لغات العرب قد أنزل اللّه باختلافها القرآن متفرقا فيه ليعلم بذلك إن من زل عن ظاهر التلاوة بمثله أو من تعذر عليه ترك عادته فخرج إلى نحو مما نزل به فليس بملوم ولا معاتب عليه. وكل هذا فيما إذا لم يختلف فيه المعاني. فإن قيل فما قولك في القراءات التي تختلف بهاالمعاني؟ قلنا إنها صحيحة منزلة من عند اللّه ولكنها خارجة من هذه السبعة الأحرف. وليس يجوز أن يكون فيما أنزل اللّه من الألفاظ التي تختلف معانيها ما يجري اختلافها مجرى التضاد والتناقض لكن مجرى التغاير الذي لا تضاد فيه. ثم إنها تتجه على وجوه: فمنها أن يختلف بها الحكم الشرعي على المبادلة بمنزلة قوله وأرجلكم بالجر والنصب جميعا وإحدى القراءتين تقتضي فرض المسح والأخرى فرض الغسل وقد بينهما رسول اللّه فجعل المسح للابس الخف في وقته والغسل لحاسر الرجل وهذا الضرب هو الذي لا تجوز القراءة به إلا إذا تواتر نقله وثبت من الشارع بيانه وليس يعذر من زل في مثله عما هو المنزل حتى يراجع الصواب ويفرغ من الاستغفار.
»وقد يكون ما يختلف الحكم فيه على غير المبادلة لكن على الجمع بين الأمرين بمنزلة ولا تقربوهن حتى يطّهّرن مشددة الطاء من التطهر فإن القراءتين ههنا تقتضيان حكمين مختلفين يلزم الجمع بينهما وذلك أن الحائض لا يقربها زوجها حتى تطهر بانقطاع حيضها وحتى تطهر بالاغتسال. ولا يجوز القراءة في أمثال هذه إلا بالنقل الظاهر. ومن زل في مثله إلى ما لا يقتضي أمرا وقد علم ثبوته ولم يقرأ به لم يلزمه فيه حرج كقوله تعالى ولا تقربوا الزنا لو صحفه أحد فيقرأه الربا بالراء والباء من الربا في المال فإنه منهي عنه كالزنا فإن كان عدوله عن ظاهر التلاوة على سبيل التعمد فهو ملوم على ذلك. وأما التضاد والتنافي فغير موجود في كتاب اللّه والنسخ من هذا القبيل لأن اتحاد الزمان شرط التنافي وعند ورود الناسخ ينتهي المنسوخ وتبين أن في علم للّه حكم المنسوخ كان مؤجلا إلى ورود الناسخ واللّه أعلم.
»وقوله لكل آية ظهر وبطن أي ظاهر وباطن فالظاهر ما يعرفه العلماء والباطن ما يخفى عليهم فنقول في ذلك كما أمرنا ونكل علمه إلى اللّه تعالى وهو أن يؤمن به باطنا كما يؤمن به ظاهرا.
»وقوله ولكل حد مطلع أي لكل طرف من جنود اللّه التي يوقف هنالك ولا يتجاوز عنه من مأمور أو منهي أو مباح مصعد ومأتى يؤتى منه ويفهم كما هو أو مقدار من الثواب والعقاب يعانيه في الآخرة ويطلع عليه كما قال عمر لو أن لي ما في الأرض من صفراء وبيضاء لافتديت به من هول المطلع يعني ما يشرف عليه من أمر اللّه بعد الموت».
وقال الجلال السيوطي في الاتقان: اعلم أن القاضي جلال الدين البلقيني قال: القراءة تنقسم إلى متواتر وآحاد وشاذ: فالمتواتر القراءات السبع المشهورة. والآحاد قراءات الثلاثة التي هي تمام العشر ويلحق بها قراءة الصحابة. والشاذة قراءة التابعين كالأعمش ويحيـى بن وثاب وابن جبير ونحوهم. وهذا الكلام فيه نظر يعرف مما سنذكره، وأحسن من تكلم في هذا الموضوع إمام القراءة في زمانه شيخ شيوخنا أبو الخير بن الجزري قال في أول كتابه النشر كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ووافقت أحد المصاحف العثمانية (أي التي كتبها عثمان ووزعها في الأمصار) ولو احتمالا وصح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها سواء أكانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة سواء أكانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم. هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف صرح بذلك الداني ومكي والمهدي وأبو شامة وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه.
»قال أبو شامة في المرشد الوجيز لا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تعزى إلى أحد السبعة ويطلق عليها لفظ الصحة وأنها أنزلت هكذا إلا إذ دخلت في ذلك الضابط وحينئذٍ لا ينفرد بنقلها مصنف عن غيره ولا يختص ذلك بنقلها منهم بل أن نقلت عن غيرهم من القراء فذلك لا يخرجها عن الصحة فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف لا على من تنسب إليه. فإن القراءة المنسوبة إلى كل قارىء من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجمع عليه في قراءتهم تركن النفس إلى ما نقل عنهم فباق ما ينقل عن غيرهم.
»ثم قال ابن الجزري: قولنا في الضابط ولو بوجه يزيد به وجها من وجوه النحو سواء أكان أفصح أم فصيحا مجمعا عليه أم مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله إذا كانت القراءة مما شاع وذاع وتلقاه الأئمة بالإسناد الصحيح إذ هو الأصل الأعظم والركن الأقوم. وكم من قراءة أنكرها بعض أهل النحو أو كثير منهم ولم يعتبر إنكارهم كإسكان بارئكم ويأمركم وخفض والأرحام ونصب ليجزي قوم والفصل بين المضافين في قبل أولادهم شركائهم وغير ذلك.
»قال الداني وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الإنشاء في اللغة والأقيس في العربية بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل وإذا ثبتت الرواية لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها.
»قلت أخرج سعيد بن منصور في سننه عن زيد بن ثابت قال القراءة سنة متبعة. قال البيهقي أراد أن اتباع من قبلنا في الحروف سنة متبعة لا يجوز مخالفة المصحف الذي هو إمام ولا مخالفة القراءات التي هي مشهورة وإن كان غير ذلك سائغا في اللغة أو أظهر منها.
»ثم قال ابن الجزري ونعني بموافقة أحد المصاحف ما كان ثابتا في بعضها دون بعض كقراءة ابن عامر قالوا اتخذ اللّه ولدا في البقرة بغير واو وبالزبر وبالكتاب بإثبات الباء فيهما فإن ذلك ثابت في المصحف الشامي وكقراءة ابن كثير تجري من تحتها الأنهار في آخر براءة بزيادة من فإنه ثابت في المصحف المكي ونحو ذلك فإن لم يكن في شيء من المصاحف العثمانية فشاذ لمخالفتها الرسم المجمع عليه. وقولنا ولو احتمالا نعني به ما وافقه ولو تقديرا كملك يوم الدين فإنه كتب في الجميع بلا ألف فقراءة الحذف توافقه تحقيقا وقراءة الألف توافقه تقديرا لحذفها في الخط اختصارا كما كتب ملك الملك.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

علامات الساعة

علامات الساعة الساعة هي من أسماء يوم القيامة (ويوم القيامة): هو الحادثة الكونية العظمى التي ...