مجنون ليلى

مجنون ليلى
(هـ ـ 80هـ)
قيس بن الملوح العامري هوى امرأة من قومه تدعى ليلى العامرية وهي بنت مهدي بن سعد فتدله في حبها ولما زوجها أبوها من غيره اختلط عقله.
كان سبب عشقه لها أنه مر على ناقة وعليه حلتان من حلل الملوك بزمرة من قومه وعندها نسوة يتحدثن فأعجبهن فاستنزلنه للمنادمة فنزل وعقر لهن ناقته وأقام معهن بياض اليوم وكانت ليلى مع من حضر وحين وقعت عينه عليها لم يصرف عنها طرفا وشاغلته فلم يشتغل فلما نحر الناقة جاءت لتمسك اللحم فجعل يجز بالمدية في كفه وهو شاخص إليها فجذبتها من يده ولم يدر ثم قال لها أتأكلين الشواء؟ قالت نعم فطرح من اللحم شيئا على الغضي وأقبل يحادثها فقالت له أنظر إلى اللحم هل أدرك فمد يده إلى النار وجعل يقلب بها اللحم فاحترقت ولم يشعر فلما علمت ما داخله صرفته عن ذلك ثم شدت يده بهدب قناعها ثم ذهب وقد تمكن حبها من قلبه ثم استدعته بعد هذا المجلس وقد داخلها الحب فقالت له هل لك في محادثة من لا يصرفه عنك صارف؟ قال ومن لي بذلك؟ فقالت له اجلس وجعلا يتحدثان حتى مضي الوقت ولم يزالا على ذلك حتى حجبها أبوه عنه وزوجها من غيره.
من أخباره أن رجلاً من قومه قال له إني قاصد حي ليلى فهل عندك شيء تقوله لها؟ قال نعم. أنشدها إذا وقفت بحيث تسمعك هذه الأبيات:
اللّه أعلم أن النفس قد هلكت
باليأس منك ولكني أمنيها
منيتك النفس حتى قد أضر بها
وأبصرت خلفا مما أمنيها
وساعة منك ألهوها ولو قصرت
أشهى إلي من الدنيا وما فيها
قال الرجل فمضيت حتى وقفت بخيامها فلما أمكنتني الفرصة أنشدت بحيث تسمع الأبيات فبكت حتى غشى عليها ثم قالت بلغه عني السلام وأنشدت:
نفسي فداؤك لو نفسي ملكت إذا
ما كان غيرك يجزيها ويرضيها
صبرا على ما قضاه اللّه فيك على
مرارة في اصطباري عنك أخفيها
روى رياح بن عامر قال دخلت من نجد أريد الشام فأصابني مطر عظيم فنصبت خيمة رفعت لي فإذا بامرأة فسألتها التظليل فأشارت إلى ناحية فدخلت. ثم قالت للعبيد سلوه من أين الرجل. فقلت من نجد فتنفست الصعداء. ثم قالت نزلت بمن فيها؟ قلت ببني الحريش فرفعت ستارة بيننا وإذا بامرأة كأنها القمر ثم قالت أتعرف رجلاً فيهم يقال له قيس ويلقب بالمجنون؟ قلت أي واللّه سرت مع أبيه حتى أوقعني عليه وهو مع الوحش لا يعقل إلا أنني ذكرت له ليلى. فبكت حتى أغمي عليها فقلت مم تبكين ولم أقل إلا خيراً؟ فقلت أنا واللّه ليلى المشؤمة عليه غير المساعدة له ثم أنشدت:
ألا ليت شعري والخطوب كثيرة
متى رحل قيس مستقل فراجع
بنفسي من لا يستقل برحله
ومن هو إن لم يحفظ اللّه ضائع
كان آخر مجلس للمجنون مع ليلى أنه لما اختلط عقله وتوحش جاءت أمه إليها فأخبرتها وسألتها أن تزوره فعساها أن تخفف ما به. فقالت أما نهارا فلا خيفة من أهلي وسآتيه ليلا. فلما جن الليل جاءت فسلمت عليه ثم قالت:
أخبرت أنك من أجلي جننت وقدفارقت أهلك لم تعقل ولم تفق.
فرفع رأسه إليها وأنشد:
قالت جننت على رأسي فقلت لها
الحب أعظم مما بالمجانين
الحب ليس يفيق الدهر صاحبه
وإنما يصرع المجنون في الحين
لو تعلمين إذا ما غبت من سقمي
وكيف تسهر عيني لم تلوميني
وقد امتحنته ليلى لتنظر ما عنده من المحبة لها فدعت شخصا بحضرته فسارَّته ثم نظرته قد تغير حتى كاد ينفطر فأنشدت:
كلانا مظهر للناس بغضا
وكل عند صاحبه مكين
تبلغنا العيون بما أردنا
وفي القلبين ثم هوى دفين
وأسرار اللواحظ ليس تخفى
وقد تغرى بذى الخطأ الظنون
وكيف يفوت هذا الناس شيء
وما في الناس تظهره العيون
فسر بذلك حتى كاد يذهب عقله فانصرف وهو يقول:
أظن هواها تاركي بمضلة
من الأرض لا مال لدي ولا أهل
ولا أحد أقضي إليه وصيتي
ولا صاحب إلا المطية والرحل
محاحبها حب الألى كن قبلها
وحلت مكانا لم يكن حل من قبل
توفي مجنون ليلى سنة (80) هـ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محمد العطار

محمد العطار (1717م ـ 1744م) هو ابن عبيد بن عبد الله بن عسكر الشهير بالعطار ...