محمد أبو الوفا الرفاعي

محمد أبو الوفا الرفاعي
(1179هـ ـ 1264هـ/1761م ـ 1885م)
أصله ونشأته:
هو الشيخ محمد أبو الوفا بن الشيخ محمد بن الشيخ عمر الوفائي، ولد بحلب سنة 1179هـ 1761 م، ولما ترعرع شرع في تحصيل العلم فقرأ على أعلام عصره الشيوخ حسين المدرس وإسماعيل المواهبي وقاسم المغربي رحمهم الله، وقرأ على والده وأخذ عنه الطريقة الرفاعية والشاذلية، وفي سنة 1242هـ أجازه الشيخ محمد تراب الأوقاتي بالخلافة وبشّره أن التكية سيكون لها وقت تعمّر فيه ويحصل لها وقف يكون فيه إدارة لها، وقد صدق بما تنبأ به، وفي سنة 1242هـ حضر علي رضا باشا مع يوسف باشا السروزلي وكان (كتخداه) فتعرض لتعميرها، ثم عزل يوسف باشا وغاب مدة عاد بعدها إلى منصب الولاية في حلب فتعاطى الأحكام وجرى له مع الأهلين وقائع وانتصر عليهم، ثم جاءته الوزارة فوقف للتكية بعض العقارات، وبعدها خرج من حلب لولاية بغداد فقبض على الوالي درويش باشا العاصي على الدولة إذ ذاك وأرسله إلى الآستانة فنجحت أموره وحاز انتصاره عليه قبولاً تاماً لدى السلطان، وفي سنة 1253هـ ذهب صاحب هذه الترجمة ومعه ولده المرحوم محمد بهاء الدين لزيارة بغداد بدعوة من واليها فاستقبلهما بالإقبال والإكرام.
شعره وفنونه:
كان رحمه الله عالماً فاضلاً وأديباً بارعاً، ذا صوت جميل، أخذ الفن عن المرحوم مصطفى الحريري الملقب (بالبشنك) وكان يعاونه في الإنشاد في حلقات الاذكار، ولم يجد غضاضة في ذلك، إذ أن الفن الموسيقي كان محترماً جداً، وكان أكثر العلماء والمشايخ المتذوقين يتعلمونه ويحسنون الرقص المعروف (برقص السماح) أي الرقص الصوفي والمترجم له منهم، وآخر من عرف من هذه العناصر العلامة الفاضل المرحوم الشيخ محمد كامل الهبراوي الذي كان عالماً بدقائق الفن الموسيقي والإيقاع والسماح عدا فضله وصلاحه، ولم يكن الموسيقيون يحضرون المجالس المنحطة أو التي يتخللها شرب الخمور ولا يغنون في المقاهي والمحلات المبتذلة، وكان المترجم له يقيم الأذكار الشاذلية مع أبيه في الزاوية المعروفة بمسجد خير الله في محلة الأكراد بحلب وهي المشهورة بالزاوية الرفاعية وهي زاويتهم الأصلية وله غيرها أربع تكايا.
وللمترجم رحمه الله نظم رائق منسجم لا كلفة فيه، ينبىء عن فكرة وقادة وذهن ثاقب وتضلع في العلوم الأدبية، فكان ينظم القصائد والموشحات والتشاطير والتخاميس ببلاغة ومعان تأخذ بمجامع القلوب، وكان الملحن لموشحاته المرحوم الفنان (البشنك) وتارة يلحن لنفسه، إذ بلغ من القوة والتضلع في الفن الموسيقي ما يمكن وصفه (بالبشنك الثاني) ومن جملة تشاطيره البديعة قوله:
ما زال يرشف من خمر الطلا قمرٌ
حتى غدا ثملاً ما فيه من رمق
وراح يشربها جنح الدجى عللاً
حتى بدت شفتاه اللعس كالشفق
ومنها:
وقال لي برموز من لواحظه
يا شيخ أهل الهوى يا شيخ كل تقي
ماذا تقول وقد قال الرواة لنا
إن العناق حرام قلت في عنقي
وله ديوان حافل قد افتتحه باستغاثة بسور القرآن الكريم قال في أوائلها:
يا ربنا أنلْ فؤادي وطره
بالسورة المذكور فيها البقره
بآل عمران وبالنساء
اقض مرادي وأنل منائي
بالسورة المذكور فيها المائدة
اخذل عدوي وأزل مكائده
وقال رحمه الله مخمساً البردة الشريفة وسماها تطريز البردة، وتطريد الشدة، وقد بدأ بتخميسها في ادلب سنة 1217هـ ومطلعها:
علمم يا من أفاض الدمع كالديم
تبكي وتعلن بالأشجان والسقم
وممّ مزج الدما بالدمع من ألم
أمن تذكر جيران بذي سلم
مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم
أشمت من أبرق بالأنس باسمه
أم هل شجاك غراماً نوع حائمة
أم ذاك من فرط أشواق ملازمة
أم هبّت الريح من تلقاء كاظمة
وأومض البرق في الظلماء من اضم
ومن غزله البديع قطعة من موشح:
يا مهاة البان يا ذات الدلال
جلّ من أبدع ذا الوجه الجميل
غلب الوجد دليل الهجر طال
وأنا المغرم بالفرع الطويل
ومن موشحاته التي اشتهرت بين القاصي والداني وتغنى بها كل إنسان هو الموشح المشهور من نغمة الجهار كار المتداول حتى يومنا هذا قاله وهو متوجه إلى استانبول سنة 1220 هـ.
يا مجيباً دعاء ذا النون
في قرار البحار
إستجب دعوة لمحزون
قد دعا بانكسار
وله شعر كثير من جميع أنواع الشعر يضيق بها المقام وهي مثبتة في دواوينه ومؤلفاته الكثيرة.
رحلته إلى استانبول:
ولما أدرك العجز والده انتقلت المشيخة إليه ووقعت منازعة بينه وبين بعض مشايخ حلب على إحدى التكايا التي كانت تحت توليته فقصد إستانبول سنة 1220هـ ولقي فيها من حفاوة وزرائها وكبرائها ما يقصر عنه الوصف ومدحوه ومدحهم بالمنثور والمنظوم، ثم عاد إلى حلب يحمل براءة سلطانية تمنع كل حاكم فيها استماع أي دعوى عليه في التكية المذكورة.
أوصافه وأطواره:
كان رحمه الله أبيض اللون، صبيح الوجه، أسود العينين، مليح الأنف والفم ممتلىء الجسم، بهي المحيا، ورث حسن الصوت عن أبيه وجده، وكان كلما رتّل في الجامع أو في زاوية يجتمع الناس من كل حدب لشغفهم باستماع صوته.
وفاته:
وفي سنة 1264هـ 1845م انتقل إلى دار الخلود ودفن في تربة الصالحين تجاه جدار مقام إبراهيم من الشرق ورثاه الشاعر المرحوم سعيد القدسي بقصيدة طويلة قال فيها:
بكائي بفقد النازحين يزيد
وحزني عليهم وافر ومديد
وأجفان عيني بالدموع تقرّحت
ومنهن فوق الخد سال صديد
ومنها:
هو السيد الحبر الإمام أبو الوفا
ملاذ الورى بحر العلوم فريد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبدو بن الحاج محمد عبدو

عبدو بن الحاج محمد عبدو (1864 ـ 1939م) ولد هذا الفنان بحي قسطل الحرامي بحلب ...