محمد الخالد الجلبي الحمصي

محمد الخالد الجلبي الحمصي
(1867م ـ 1926م)
أصله ونشأته ـ.
هو محمد بن خالد بن مصطفى بن محمد الجلبي، ولد في حمص سنة 1867 ميلادية ونشأ في مهد العلم والأدب، ولما أينع استلفتت مواهبه البارزة أنظار علامة حمص الأكبر المرحوم الشيخ محمد المحمود الأتاسي فضمه إلى حلقته الدراسية وعليه تلقى علوم الأدب العربي والفقه والحديث والتفسير فكان أحد أقطاب العلم الثقاة في عصره، وكانت ثمرة إعجابه بنجابته أن زوجه بإبنته فاطمة، فأنجبت منه عدة أولاد لم يعش منهم سوى الإناث، وقد خيمت حوله سحابة عكرت صفو حياته العائلية، إلا أنه بقي صابراً راضياً، بمشيئة ربه والأمر الواقع، ثم وجد بابن شقيقه السيد ممدوح الجلبي صاحب الصوت الساحر ضالته المنشودة فأحسن تثقيفه، فكان قرة عينه والعزاء والسلوى لقلبه الكليم.
رحلاته إلى استانبول ـ.
وسافر مرتين إلى استانبول واتصل بالشيخ أبي الهدى الصيادي الرفاعي شيخ السلطان عبد الحميد فاحتفى بمقدمه وتعرف خلال مدة إقامته بالعلماء والأدباء الذين كانوا يلازمون تكيته وكان ملتقى الكبراء والفضلاء. أما رحلاته إلى استانبول فكانت ذات أثر كبير في مجرى حياته وتعرف على أكثر الرجال العاملين في حقل القضية العربية أمثال الشيخ رشيد رضا صاحب مجلة المنار والشهيد عبد الحميد الزهراوي والشيخ أحمد نبهان الفقيه الحمصي المعروف والسيد خالد الحكيم والشيخ حسن الرزق أديب حماه وشاعرها وصاحب مجلة الإنسانية التي ساهمت في هذه الحركة والشيخ أحمد الصابوني أديب حماه وخطيبها رحمهم الله وغيرهم من الرجال الذين كانوا من أعلام النهضة.
كان رحمه الله يستنهض الهمم لمحاربة الجهل المخيم في البلاد العربية ومبشراً لنشر دعوة العلم بحماس ملتهب ومن قوله في هذا المعنى:
بلادٌ عليها مهجتي تتفطرودمع الأسى من مقلتي يتحدربلاد عليها الجهل مدّ رواقهفقامت بليل الفقر تمشي وتعثرومنها:إذا قام منهم مرشد ودعاهملنيل المعالي سفهّوه وأنكرواواشترك رحمه الله في مراسلة عدة صحف عربية في بيروت ودمشق والقاهرة إلى جانب اشتراكه في تحرير صحف حمص المحلية مثل “النجاح” “وضاعت الطاسة وحط بالخرج”. لقد كان ماهراً في أسلوب نقده اللاذع وشعره الفكاهي يمثل الوضع الراهن آنذاك ويحمل بين طياته معان عديدة ظاهرها الفكاهة وباطنها نقد المسؤولين الذين ساءهم ذلك النقد المستتر فصادروا الصحف وأغلقوها، ثم استبشر الناس خيراً عندما وقع الانقلاب التركي فأصدر المترجم له جريدة اسمها (التنبيه) ولكن سرعان ما انحرف الاتحاديون عن الغاية المثلى واتضحت نواياهم نحو العرب فلم تعمر هذه الجريدة طويلا. وقد وجد الفقيد فرصة سانحة لبث روح الوطنية في نفوس النشء عن طريق المحاضرات والروايات المدرسية.
شعره ـ.
يعتبر الفقيد من الشعراء المجيدين، نظمه ونثره كالروض البديع ينعش أريجه النفوس والأرواح، وفي عام 1926م سافر إلى الحجاز ليحضر المؤتمر الإسلامي الذي كان سيعقد هناك واتصل بصديقه المرحوم خالد الحكيم مستشار الملك السعودي وكان همه الوحيد أن يتصل بالملك السعودي لأهداف عربية سامية، وقد تسنت له المقابلة فألقى أمامه قصيدة رائعة مطلعها:
قرنت بالقول لما شئت أفعالاوقمت ممتلئاً عزماً وآمالاوأيد الله ما تبغيه وابتهجتبك العلى فهي تحني الرأس إجلالاهل مفصح يحسن التعبير عن غرضمثل الحسام فكم قد بذّ أقوالاأوصافه ـ.
من أبرز صفاته الصبر والتوكل والرضا بالواقع، حلو المنطق والمعشر, تبدو على محياه المهيب أصالة الحلم والرضى والصفاء، أودعه الله قلباً رحيماً وسريرة طاهرة، كان عنيداً في الحق، نبيلاً في مقاصده كريماً بإفراط، كساباً وهاباً، لا يستهويه المدح والإطناب والإطراء.
تآليفه ـ.
كان يهوى العزلة فلا يخرج من داره إلا نادراً ليتفرغ للتأليف والنظم والكتابة بالمواضيع التي لها علاقة بأسس النهضة العربية، وقد أخرج عدة روايات مسرحية رائعة في بلاغتها ومغزاها ومعناها طبعت بحماه بمعرفة الشاعر الكبير حسن الرزق، منها وفود العرب على كسرى وهي مستوحاة من القصة المعروفة في كتب الأدب والأمير محمود والزير المهلهل والخلان الوفيان والطاغية جمال باشا مع فصل واحد يمثل انسحاب الأتراك من سوريا وقد مثلت هذه الروايات في مسارح البلاد السورية وحازت الإعجاب وفاوضته فرقة تمثيلية مصرية وحاولت شراء رواياته لتمثيلها في المسارح المصرية وأغرته بمبالغ كبيرة ولكن أبت عزة نفسه كل عرض واغراء.
والمترجم له هو الذي جمع وأخرج المعارضات الشعرية الطريفة الواقعة بين شاعري حمص وحماه الشيخ مصطفى زين الدين والشيخ محمد الهلالي رحمهما الله وطبعها بكتاب خاص.
وفاته ـ.
لقد سافر المترجم له إلى الحجاز لأداء فريضة الحج وقابل الملك السعودي وبعد أن استطلع منه حركته الأخيرة التي انتهت بالإستيلاء على الحجاز ليكمل البحث التاريخي الذي كان يكتبه عن تاريخ نهضة العرب بعد الحرب العالمية الأولى عاجلته المنية عقب نزوله من منى وقضى نحبه في مكة المكرمة متأثراً بإصابته بالزحار الحاد مع مرضه القديم (ذات الركب) وذلك في يوم السبت الثاني من شهر تموز سنة 1926م وبوفاته خسرت حمص أحد أقطابها الأعلام، وقد أفاض فضيلة العلامة الكبيرة الشيخ بهجت البيطار الذي تعرف عليه ورافقه في هذه الرحلة برثائه البليغ الذي نشر في جريدة الفيحاء لصاحبها المرحوم قاسم الهيماني.
أما آثاره التأليفية وهي ديوانه الشعري وتاريخ نهضة العرب ورواياته التمثيلية وجميع كتبه وهي ثروة أدبية كبرى فقد ضاعت بوفاته ولم يصل إلى أهله في حمص إلا النذر اليسير منها:
طوبى لمن بجوار الله قد نزلاوقد أعد له جنانه نزلاويا هنيئاً لمن أسقاه سيدهفي معهد القرب من كأس الشهود طلا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد الرحيم المَرْعشي

عبد الرحيم المَرْعشي (… ـ 1068هـ) (… ـ 1658م) عبد الرحيم بن أبي بكر بن ...