محمد سرور الصبان

محمد سرور الصبان
(1898م ـ م/ 1316هـ ـ هـ)
مولده ونشأته:
بزغ نجم المترجم الأجل في (القنفدة) في 5 ذي القعدة عام 1316هـ آذار 1898 م، وانتقلت اسرته إلى جده سنة 1902م وفيها تلقى علومه الاولية، ثم نزحت إلى مكة، فالتحق بمدرسة الخياط وانصرف بعدها إلى العمل بمحل والده التجاري.
في الوظائف:
وفي سنة 1917 م، عين في وظائف البلدية، وكان في الثامنة عشرة من عمره عندما اعلنت الثورة العربية الكبرى، ولما شكلت الحكومة السعودية عين في سنة 1924م محاسباً للبلدية، ثم انتخب عضواً فأميناً لسر المجلس الاهلي، وكان مجلساً انتخابياً، انتخب فيه المترجم باجماع الآراء.
اعتقاله:
لقد استهدف للدس والوشايات في العهد السعودي، الذي كان في طوره الانشائي، فكان في عداد المعتقلين السياسيين، وقد أُفرج عنه بعد فتح جده، وعين معاوناً لأمين العاصمة.
نفيه:
وفي شهر تموز عام 1927م نفي إلى الرياض بتهمة سياسية وبقي مسجوناً (22) شهراً.
بسمة الدهر:
وفي شهر مارس سنة 1928م أصدر العاهل السعودي أمره بالعفو عنه، بعد أن تحقق له اخلاصه وسمو مواهبه فعاد بمعيته إلى الحجاز، وعمل في شركة (القناعة) وهي شركة مواصلات السيارات بين جده ومكة والمدينة، وظل في اعماله الحرة زهاء ثلاث سنوات لم يشغل خلالها عملاً حكومياً سوى انتخابه عضواً في المؤتمر الوطني المنعقد عام 1931 م.
في وزارة المالية:
وفي سنة 1931م عين رئيساً لقلم التحريرات في وزارة المالية، وبرزت مواهبه الفذة فعين عام 1932م مديراً عاماً في الوزارة، وارتقى في مناصبها فكان وكيلاً مساعداً، فمستشاراً عاماً لها، ومنح لقب وزير مفوض من الدرجة الاولى تقديراً لاخلاصه وخبرته في تصريف الأمور، ولما ارتقى الملك سعود عرش البلاد، أولاه ثقته العظمى وعينه مستشاراً خاصاً له، ثم أسند اليه منصب وزارة المالية، وليس لي ما أطري به مآثره النبيلة، وآثاره الجليلة، فهي أكبر من الاطراء وأعظم من الثناء، وكفى انه مستيقناً من صدق رأيه في كل موقف له علاقة بالنفع العام لوطنه، فكان عربي النزعة، سعودي الميول والاتجاهات.
آثاره الأدبية:
خرج المترجم الأجل من السجن ليحمل لواء الأدب، فأسس مكتبة عربية حافلة بالمؤلفات العلمية والأدبية القيمة حملت اسمه، ومن مقالاته البليغة في مغزاها ومعناها بعنوان (لا صلاح مع الرياء) وبه ناشد قومه نبذ الرياء والترفع عن الدنايا، والنهوض إلى المعالي، وقد كان من المنددين للعهد الهاشمي وأساليب حكمهم، لمحاربتهم العلم والأدب ونشر الثقافة في الحجاز، وفي مقدمة الصفوة المختارة من الشباب الذي ترى فيه الحكومة الهاشمية خطراً على كيانها، وأداة ساحقة لطغيانها، وعبثها بمقدرات الشعب المادية والأدبية.
وكان أول انتاجه الأدبي مؤلفه النفيس (أدب الحجاز)، وقد أصدره عام 1925م وهو صفحة من أدب الناشئة الحجازية شعراً ونثراً، وفي عام 1926م تولى ترتيب وجمع واصدار (المعرض) وهو مجموعة آراء شبان الحجاز في اللغة العربية، وأصدر في نفس العام كتابه (خواطر مصرحة) وهو مجموعة مقالات في الأدب واللغة والاجتماع والنقد، وكان اصدار هذه الكتب الثلاثة آخر اعماله الأدبية في هذه الفترة من تاريخ حياته الحافل بجلائل الاعمال، فقد حالت مهام الوزارة دون تفرغه للادب والتأليف، ومن مآثره ان كان الفضل له في نشر كتاب شفاء الغرام باخبار البلد الحرام للفاسي.
لقد حمل الصبان الاجل رسالة العلم والأدب ثلث قرن وبنى جيلاً، وبعث نهضة ثقافية باهرة، وأعاد لمهد لغة الضاد سمعة الأدب الحي في الحجاز الذي خلدته الاجيال، ومهد طريق الأدب للشباب، وله آراء بليغة في اصلاح اللغة وتوحيد برامج التعليم في البلاد العربية، وهو المشجع البارز لحركة التأليف والبعث الأدبي في بلاده.
فما السحر إلا ما حواه بيانه
وما الدر إلا ما حوته رسائله
شعره:
هو شاعر مجيد ملهم، دانت القوافي لقريحته الفياضة في اسلوب عربي فصيح مكين، لقد تناول الموضوعات القومية والاجتماعية الحساسة التي يتعشقها المجتمع، ولها صلة بالآمال والأماني، فقال قصيدته الرائعة في الوطن، وهو في سجنه ويدل اسلوبه على صراحته ونبوغه واعتداده بكرامته، وقد تجمل بالصبر والتآسي، فخاطب نفسه ووطنه فقال:
أنا لا أزال شقي حبك
هائماً في كل واد
زعم العوازل انني
أسلو وأجنح للرقاد
كذبوا وحقك لست أقدر
أن أعيش بلا فؤاد
ولسوف اصبر للمصا
ئب والكوارث والبعاد
حتى أراك ممتّعا
بالعز ما بين البلاد
ونظم في سجنه قصيدته الرائعة (عاطفة نفس) وقد فاضت قريحته، فكان كالبحر الزاخر يقذف كل در فاخر.
جلّ الأسى وتتابعت زفراتي
ودنى المشيب فقلت حان مماتي
فكرت التمس الخلاص بحيلة
أين المفر من القضاء الآتي
ويتجلي طموحه وعزيمته واعتداده بنفسه فيقول:
ويحي، أيعترض القنوط عزيمتي
والحزم من طبعي ومن عاداتي
والدهر طوعي والزمان مصادقي
والصبر درعي والثبات قناني
وتمر بي شتى الحوادث خشعاً
ويصيبها خور حيال ثباتي
يا أيها القدر الموافي انني
بادي الضنى هلا ترى نظراتي
امنن علي بساعة أقضي بها
حق البلاد وخذ ربيع حياتي
ان كان في الاجل المقرر فسحة
أولا، فانك نافذ الطعنات
مالي إليك وسيلة أرجو بها
نيل المرام، فجدت بالعبرات
ويعتبر نفسه فرد وليس بأمة، ولعمر فمغزى هذه القصيدة يدل على أنه (مجموع امة بمفرده) فيقول:
لكنني فرد ولست بأمة
من لي بمن يصغى لحر شكاتي
من لي بشعب نابه متيقظ
ثبت الجنان وصادق العزمات
من لي بشعب عالم متنور
يسعى لهدم رذائل العادات؟
من لي بشعب باسل متحمس
حتى تقوم بأعظم النهضات
من لي بشعب لا يكل ولا يني
يسعى إلى العليا بكل ثبات
ولقد ظل في سجنه ينفث من قلمه ما يختلج في روحه من احساس وشعور فيخاطب الليل.
يا ليل حزنك دائم
ادعوك للسلوى فتأبى
يا ليل هل لك موطن
مثلي قضى قتلاً ونهبا
شعره الوصفي:
هو شعر وصاف يرى المعاني المبتكرة تنبت في أشعاره كما تنبت الازاهير الفواحة بالعبير، ومن أجمل فنون وصفه قصيدته (ياليل)، وقد تسامى في الوصف وبلاغة المعاني فقال:
يا ليل صمتك راحة
للموجعين أسى وكربا
خففت من آلامهم
ووسعتهم رفقاً وحبا
أو ما ترى حدث الزما
ن أمضهم عسفاً وغلبا
يا ليل ان بسم الخل
وسادر لهواً ولعبا
فبجنبه يبكي الشجـ
ـي، وربما لم يأت ذنبا
هذا ينعم باله
وأخوه يصلي النار غصبا
يا ليل فأرو محدثاً
أخبارنا غباً فغبا
قلنا بذلك حاجة
ان تقضها فرجت كربا
وابدأ حديثك بالاولى
عانوا من الآلام وصبا
فعسى بهم تأسو، وعل
لنا بذلك منه طبا
يا ليل ما للبدر يمـ
ـرح في السما شرقاً وغربا
يبدو فيضحك ساخراً
منا وطوراً قد تخبا
يعلو على متن السحا
ب يسوقها سرباً فسربا
أتراه يعبث كالو
ليد فليس يخشى بعد عيبا
يا ليل ما شأن الغزا
لة سيرها تيهاً وعجبا
سكري ترنح عطفها
دلاً فلا يسطيع خبا
تخذت لها مهد السما
ء كمرقص فتدب دبا
طردت اليك بناتها
فضممتهن اليك ربا
تلك النجوم المشرقا
ت وجوهها بشراً وحبا
يا ليل حزنك دائم
أدعوك للسلوى فتأبى
يا ليل هل لك موطن
مثلي قضى قتلاً ونهبا
يا ليل لو ان العزا
لة سرها قد كان غيبا
لم تفش عن مكنونها
امراً ولو لم تأت عيبا
لغدت بنا الآمال تضـ
ـرب في الورى جمعاً وصحبا
إحسانه ومبراته:
لقد تحدث المجتمع الاسلامي عن مآثر هذا الأجل، وستبقى خالدة تضرب بها الأمثال، وان القارىء ليستشف من صفحة وجه طهارة النفس والندى، ويلمح جميع معاني رجولته من انبلاج ثغره، فعناصر مكارمه ومبراته هما قوام عظمته، وسر نجاحه، وهي مقرونة بالشجاعة والوفاء في امانة وتقى، على أن الفضائل النادرة كالاحسان والتضحية والشرف ونبل النفس، تتيح للانسان ان يكون من احب الناس، إلى الناس، ومن أشرفهم فيهم منزلة.
ومن أبرز صفاته، انه وديع في الجود، يكتم حتى عن اصابع يده جوده، تلك اليد الكريمة التي تحسن دون غاية أو منّ، وقد تمسك بالحكم الاخير من الآية الكريمة{وان تخفوها وتعطوها الفقراء فهو خير…}ولولا ان المعوزين من العوائل المستورة، هم الذين يفشون هذا السر لما علم به احد.
والصبان المحسان هو كالشجرة على معبر الطرق، تعطي الثمر في ارض جدباء ولا تسأل، يأكل منها العابرون وشيمته نحن خلقنا للمكارم والمبرات.
خدماته الاجتماعية:
هو المؤسس لدار الاسعاف في الحجاز وعدا عن قيامها باختصاصها الانساني في اسعاف المرضى، فقد أصبحت أول ندوة يلتقي بها الشعراء والأدباء، ويلقي فيها افاضل العلماء والأدباء المحاضرات المفيدة في كل اسبوع، وكانت جريدة صوت الحجاز التي سميت فيما بعد (البلاد السعودية) تنشر تلك المحاضرات، ثم تجمع وتصدر مجموعة في اجزاء سنوية. ومن ابرز مشاريعه الخيرية الانسانية سعيه باصدار طوابع بثمن القرش لتنمية مواردها، ورصده جانباً من ارباح جميع الشركات التي يرأسها باسم الفقراء.
هذا هو معالي الصبان، وزير الشعراء، وشاعر الوزراء، المفكر السياسي الداهية الذي يشع من عينيه سحر، فيه آيات الذكاء والعبقرية، هذا هو الوزير الخطير عميد الأدب وموئل الأدباء في البلاد العربية، والكاتب الصحفي البليغ، المشرف على دار الاذاعة السعودية والصحافة والحج، وشركة الطبع والنشر، وشركة مصحف مكة، ورئيس الجمعيات الخيرية والثقافية في المملكة العربية السعودية.
لقد كان الأدب، هو الشرارة الاولى الذي طوّر حياته وربطت بينه وبين الحياة العامة، وهو أحد العوامل التي هيأت فكره ومجموع ملكاته لمصاولة الحياة والانتصار عليها.
وقد تفضل الشاعر العربي العبقري الاستاذ انور العطار فأشار بمواهب الصبان الاجل يصف مواهبه الأدبية.
سرور يا ريحانة البيان
يا ساحر الالفاظ والمعاني
مالك في صوغ الكلام ثان
كاللؤلؤ المنثور والمرجان
في رنَّة كرنة المثاني
ورقةٍ كرقة الأغاني
ورنة كرنة الأماني
من ذا يجاريك ومن يداني
ولمعالي المترجم الاجل ترجمة اخرى في مؤلف (سراة العرب) المخطوط وفيها التفصيلات الوافية عن مواهبه العلمية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محمد العطار

محمد العطار (1717م ـ 1744م) هو ابن عبيد بن عبد الله بن عسكر الشهير بالعطار ...