مصطفى نجا مفتي بيروت الأكبر

مصطفى نجا مفتي بيروت الأكبر
(1852م ـ 1932م)
مولده ونشأته ـ.
هو العلامة العامل الشيخ مصطفى ابن محي الدين بن مصطفى بن عبد القادر بن محمد نجا، والأسرة من أقدم الأسر الإسلامية البيروتية العريقة في المجد والشرف. ولد في بيروت فجر يوم الجمعة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة 1269هـ وتموز 1852م وبها نشأ، فقرأ القرآن العظيم وتلقى العقائد الدينية والحديث والفقه والعلوم الشرعية والأدبية على علماء عصره، منهم الشيخ يوسف الأسير والشيخ إبراهيم الأحدب الطرابلسي والشيخ قاسم أبي الحسن الكستي، وإجازه من علماء دمشق الشيخ عبد الرزاق البيطار، والشيخ محمد بدر الدين محدث الديار الشامية، وأخذ الطريقة الشاذلية عن المرشد الشيخ علي نور الدين اليشرطي الحسني التونسي نزيل عكا، وأذن له بالإرشاد واستنابه عنه في بيروت، فانتفع به كثير من المريدين وساروا بإرشاده في طريقة مثلى ونهج قويم.
خدماته الاجتماعية ـ.
ترأس لجنة مدرسة ثمرة الإحسان التي أنشئت في بيروت لتعليم بنات الفقراء وغيرهم، وظل قائماً يرعى شؤونها بعناية مدة سبع سنين، وكان يعلم بذاته المعلمات ترتيل آيات الكتاب المبين وعلوم الدين وينفث في روعهن روح الفضيلة، وتخرج منها فتيات مهذبات متعلمات، وكان له الفضل في خلق نشىءٍ جديد أصبح منهن مديرات ومعلمات في بيروت، وثابر على خدمة العلم ومؤازرة أهله في كل ناد والدعوة إلى الخير والبر والإحسان إلى أن انتخب لمنصب الإفتاء.
المفتي الأكبر ـ.
في عام 1909م عهد إليه بمنصب الإفتاء الجليل في بيروت، فاشتهر بخدمة المجتمع والإنسانية، وخفف من ويلات المجاعة خلال الحرب العالمية الأولى بفضل نفوذه الواسع لدى جمال باشا، فقد كان يقبل يديه أمام الناس إعجاباً بمواهبه وإجلالاً لقدره ونزاهته وعزة نفسه، وله حوادث شهيرة معه، لا مجال لذكرها الآن، وهي تدل على سمو مكانته لدى جمال باشا المطلق الصلاحية آنئذٍ.
ومن مآثره الخالدة أنه انتخب أربعاً وعشرين وجيهاً مسلماً وجعل منهم أعضاء لجمعية المقاصد الخيرية، فولوه رئاسة الجمعية فعمل مع هؤلاء الأجلاء على إنماء موارد الجمعية، فشيدوا المدارس والكليات للبنين والبنات، ولم يكتف بهذا بل نشر الدعوة فأسست ما يزيد عن سبعين مدرسة منتشرة في جميع قرى لبنان باسم مدارس تعليم فقراء المسلمين، وهي تابعة لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية، وقد ازدان صدره بأوسمة عثمانية وعربية رفيعة تقديراً لجهوده الاجتماعية والإنسانية الجليلة.
مؤلفاته ـ.
1 ـ كشف الأسرار لتنوير الأفكار 2 ـ مظهر السعود في مولد سيد الوجود 3م ـ رسائل في التربية والتعليم سماها نصيحة الإخوان بلسان الإيمان 4م ـ مورد الصفا في مولد المصطفى 5 ـ فرائد المواهب الدينية في مولد خير البرية 6 ـ أرجوزة في التربية والتعليم 7 ـ رسالة بمشروعية الحجاب. وله مؤلفات مخطوطة لم تنشر.
شعره ـ.
كان شاعراً مكيناً، وناثراً بليغاً، وخطيباً مفوهاً، وقد أدى فريضة الحج سنة 1895م، وزار الرسول الأعظم، فنظم قصيدة ابتهالية نقتطف منها بعض أبياتها:
لبيك يا مولاي جئتك خاضعاًوبنيل عفوك من ذنوبي طامعاشكراً لك اللهم أنت سترتنيكهلاً كما يسرت أمري يافعاشكراً لك اللهم أنت جعلتنيفي رحب بيتك ساجداً لك راكعالا شيء موجود سواك ومن يراك يرى جميع الكون برقاً لامعاومن روائع شعره قصيدة رثا بها أستاذه الشيخ يوسف الأسير ضمنها بقوله:
ولو يفدى لكان له فداءبما قد عز من نفس ومالولكن كل من في الكون يفنىويبقى وجه ربك ذو الجلالومن تشطيره البديع قوله:
(فوالله ما أدري أنفسي ألومها)وما لومها من شيمة المغرم الصبأم الفكر مني وهو أكبر باعث(على الحب أم عيني القريحة أم قلبي(فإن لمت قلبي قال لي العين أبصرت)محاسن من تهوى فاقصر عن العتبعلى أنني إن قلت كفتي تمنعت(وإن لمتها قالت خذ القلب بالذنب)(فعيني وقلبي في دمي قد تشاركاوقد ساقني فكري إلى الموقف الصعبولكن هما أصل الهوى وهو فرعه(فيارب كن عوني على العين والقلب)وله في ميدان الغزل جولات بديعة منها قوله:
لا وعينيك يا بديع الجمالعنك لا يخطر السلو بباليإن قلبي يزداد في كل يومبك وجداً وأنت أدرى بحاليلك وجه كأنه البدر لكنليس للبدر مثل جيد الغزالأنت أبهى منه جمالاً وأشهىلفؤادي من رشف صافي الزلالومنها ـ
حرس الله وجنتيك وأبقىشمس مجلاهما بغير زوالوعذاراً في عارضيك تحلىبشقيق قد عمه مسك خالكل شيء أراه فيك مليحاًوتجنيك وهو مر حلاليومن غزله البديع قوله:
يا لها من غادة في خدهاروض أنس منه طيب الورد فاحكلما رمت الجنى عارضنيحارس من جفنها شاكي السلاحومنها ـ.
اتخذ الوجد بقلبي مسكناًوبه قد طار من غير جناحيا لقومي هل وجدتم طائراًعشه طار به شوقاً وراحومنها ـ.
صدم الشوق اصطباري صدمةلم يطق معها برازاً أو كفاحفتلاشى عزمه حتى غداكهشيم راح تذروه الرياحوفاته ـ.
وفي صباح يوم الأحد الثالث والعشرين من شهر رمضان 1350هـ و31 كانون الثاني 1932م دعاه ربه إلى منازله الخالدة، واعتبر المصاب بفقده مأتماً وطنياً، ودفن في اليوم الثاني بمقبرة الباشورة في بيروت وأطلق اسمه على الشارع المجاور لسكنه في محلة برج أبي حيدر، وتبارى الخطباء والشعراء في تعداد مناقبه ومآثره الحميدة في حفلتي الأربعين والذكرى السنوية وجمعت أقوالهم في كتاب طبعه آل الفقيد الكريم.
وأرخ الشاعر الملهم الأستاذ عبد الرحمن المجذوب وفاته فقال:
ولي الإمام مصطفى من بعد ماللدين منه أشرقت آياتوختمها مؤرخاً ـ
ومصطفى آل النجا إن يرتحلأرخ فمثوى المصطفى جناتوأنجب السيد محمد نجا وثلاث كرائم متزوجات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محمد بن سليمان بن الحسن بن الحسين، العلامة جمال الدين، أبو عبد الله البلخي الأصل، المقدسي الحنفي

محمد بن سليمان بن الحسن بن الحسين، العلامة جمال الدين، أبو عبد الله البلخي الأصل، ...