ميثاق دمشق

ميثاق دمشق
حاول الأمير فيصل بن الشريف حسين أن يستكشف أراء السوريين في الثورة على الأتراك فقام في 26 آذار 1965م بزيارة دمشق والتقى هناك بأعضاء جمعية «العربية الفتاة» و«جمعية العهد» وأصبح عضواً فيهما، وقد ركز أعضاء الجمعيتين على أنهم لن يكونوا في وارد حمل السلاح ضد العثمانيين ما لم يحصلوا على ضمانات قوية تؤمن استقلال العرب خشية أن تكون ثورتهم سبباً في استبدال العثمانيين بغيرهم فقط وهذا الاتفاق صيغ على شكل ميثاق سمي «ميثاق دمشق» ويتضمن: الحدود الشرعية لمنطقة الاستقلال العربي التي يطالب بها الثوار وتمتد من خط مرسين وأضنة شمالاً في تركيا إلى الحدود الإيرانية مع الخليج العربي شرقاً على امتداد البحر الأحمر والبحر المتوسط. إضافة إلى إلغاء جميع الامتيازات الاستثنائية التي فتحت للأجانب في هذه المنطقة.
مراسلات حسين مكماهون 140 ـ تموز 1914 م:
تمت هذه المراسلات في إطار ما كانت تجريه الاستخبارات البريطانية في مكتبي مصر والهند حول إمكان قيام ثورة عربية على العثمانيين وكانت البداية بين عبد الله النجل الثاني للشريف حسين مع المسؤولين البريطانيين في مصر. أما المرحلة الثانية فقد بدأها «وينغيت» بواسطة علي الميرغني (السودان) ثم أكملت هذه الاتصالات عبر السير هنري مكماهون المعتمد البريطاني الجديد في مصر مع الشريف حسين هي عبارة عن عشرة رسائل خمس منها كتبها الحسين وخمس كتبها مكماهون واستمرت من 14 ـ تموز 1914م إلى 10 آذار 1916م وفيها طالب الشريف حسين مكماهون أن تعترف بريطانيا باستقلال البلاد العربية حسب حدود ميثاق دمشق. وقد أبدى مكماهون استعداد بريطانيا للاعتراف باستقلال العرب ولكنه تخفظ في موافقته على الحدود وخاصة حول (مرسين وأضنة) ومناطق لا يمكن أن يقال عنها أنها عربية محضة هي ولايتي حلب وبيروت. وقد أجاب الشريف حسين بالموافقة على ترك الإلحاح في إدخال مرسين وأضنة في المملكة العربية وأصر على أن ولايتي حلب وبيروت وساحلهما عربية محضة.
ويمكننا اعتبار تاريخ 30 كانون الثاني 1916م موعد انتهاء هذه المراسلات أما ما تلاها من مذكرات بين الرجلين فكانت تدور حول الإعداد للثورة وطريق المسير بالثورة وكيفية الدعم البريطاني للقوات العربية.
الانتداب الفرنسي:
اتخذ الجنرال غورو ـ المندوب السامي ـ من بيروت مقراً أساسياً له، وجعل دمشق مقراً ثانياً يقيم فيه المندوب الكولوفيل تولا. وبعده الكولوفيل كاترو الذي وفِّق إلى إحراز الثقة والاحترام من الجميع.
وقد تشكلت الحكومة الأولى برئاسة علاء الدين الدروبي وكان من أعضائها فارس الخوري.
أما عن زعماء الجهاد الوطني ولا سيما الذين خاضوا بأنفسهم معركة ميسلون والذين هرب بعضهم إلى الأردن وفلسطين ومصر، فقد حكم عليهم المجلس الحربي الفرنسي بالإعدام في 9 ـ آب 1920م، ثم صدر العفو عنهم فعاد معظمهم إلى سوريا مثابرين على الجهاد السلمي في سبيل وحدة واستقلال سوريا.
ولم يكن بدء الانتداب سهلاً بل وقعت العديد من الأحداث والمشاكل منها ما حدث في حوران عام 1920م عندما علمت السلطات في دمشق أن مشايخ حوران يعملون لفصل محافظتهم بالكامل وإلحاقها بشرقي الأردن انتقاماً للملك فيصل، فقصد رئيس الوزراء الدروبي على رأس وفد يتضمن عبد الرحمن باشا اليوسف رئيس مجلس الشورى حوران لتهدئة مشايخها، لكن حادثة مقتل احد الحورانيين على يد احد حراس الوفد أشعل الفتيل فاندلعت أعمال عنف في مختلف حوران قتل على إثرها الدروبي واليوسف ولم تتوقف تلك الثورة إلا بتدخل الطيران الفرنسي ثم قامت السلطات الفرنسية بإعدام ثلاثة ممن شاركوا في مقتل الدروبي واليوسف.
وإثر مقتل الدروبي أصدر المفوض السامي في 6 أيلول 1920م بتأليف وزارة جديدة برئاسة جميل الألشي وجاء قرار الوزراء ورئيسهم من وجهاء دمشق دون غيرها ليرد على رغبة فرنسا بتجزئة سوريا إلى دويلات مختلفة.
فأقدم أول مفوض سام فرنسي إلى بيروت بتوسيع حدود لبنان وضم إليها مدينة بيروت وأقضيتها صيدا وصور ومرجعيون، ومدينة طرابلس وبعض النواحي الملحقة بها وقضاء عكار ثم في خطوة ثانية وبعد أيام قليلة ضم الأقضية الأربعة: بعلبك والبقاع وراشيا وحاصبيا إلى لبنان الكبير. الذي أعلن الجنرال غورو قيامه في 31 آب 1920م فكان هذا التقسيم الثاني الذي أصاب بلاد الشام إذ سبقه فك لواء شرقي الأردن عن مرجعه دمشق.
وفي تشرين الثاني 1920م أعلن المفوض السامي تقسيم ما بقي من سوريا إلى دويلات أربع هي: حلب في الشمال ودمشق في الجنوب وبلاد العلويين وجبل الدروز.
وقد كان الانتداب يلاقي المواجهات العديدة مع السوريين وجاءت هذه القرارات لتزيد في إذكاء نار الثورة السورية الكبرى التي عمت جميع المناطق السورية وألحقت بالقوات الفرنسية العديد من الخسائر البشرية والمادية.
وقد استمرت حالة التقسيم هذه مدة سنتين فقط، فتحت الضغوط الشعبية الوحدوية أعلن المفوض السامي في عام 1922م عن إنشاء الاتحاد السوري بين الدول الثلاث: دمشق وحلب وبلاد العلويين وأصدر قراراً بتأليف مجلس اتحاد مؤقت من خمسة ممثليين عن كل دولة وقد انتخب رئيساً للمجلس صبحي بركات وقد استثني جبل الدروز عن هذه الوحدة لوضعه الخاص كما بُرر في حينه.
وفي 9 أيار 1923م وصل المفوض السامي الجديد الجنرال مكسيم ويفان واجتمع برئيس الاتحاد السوري صبحي بركات وأركان المفوضية وحكومة لبنان وبعد عدة أيام زار دمشق وحلب واللاذقية وسائر المدن السورية ثم أعلن في 5 كانون الأول 1924م حل الاتحاد السوري وقيام وحدة دمشق وحلب اعتباراً من أول كانون ثاني 1925م، وفي 2 كانون الثاني 1925م وصل المفوض السامي الجديد سراي الذي عينته الحكومة الجديدة في فرنسا وكانت حكومة الحزب الاشتراكي. فدعا المسؤولين السوريين إلى تأسيس أحزاب سياسية لتقوم بالمفاوضة عن الشعب مع الفرنسيين لضمان مصيره.
فتأسس «حزب الشعب» وكان من أركانه فارس الخوري ولطفي الحفار وسعيد حيدر وانتخبوا الدكتور عبد الرحمن شهبندر رئيساً للحزب، وكان الحزب الآخر حزب الاستقلال ملتفاً حول شكري القوتلي وبوصول دو جوفنيل إلى سوريا قادماً من مصر ازداد لهيب الثورة السورية الكبرى مع تصريحاته الاستفزازية العدائية، وقد أوكل دو جوفنيل رئاسة الدولة السورية في أيار 1926م إلى الأمير أحمد نامي الملقب ب ـ «الداماد» والذي ألف حكومته برئاسته وعضوية كل من حسني البرازي، شاكر الشعباني، فارس الخوري، لطفي الحفار واثق المؤيد ويوسف الحكيم وقد اتفقت هذه الحكومة مع دو جوفنيل على برنامج من أهم نقاطه:
ـ دعوة جمعية تأسيسية لتتولى سن دستور للبلاد على قاعدة السياسة الفرنسية.
ـ تحويل الانتداب إلى معاهدة تعقد بين فرنسا وسوريا لمدة 30 سنة.
ـ تحقيق الوحدة السورية.
ـ تأليف جيش وطني.
ـ طلب إدخال سورية في عصبة الأمم المتحدة.
وفي شباط 1928م فاجأ المفوض السامي بونسو السوريين بانقلابه على اتفاق دو جوفنيل الداماد فأقال الحكومة وعين الشيخ تاج الدين الحسني رئيساً للحكومة الجديدة كما قامت السلطات الفرنسية بإطلاق سراح قادة الثورة السورية الكبرى المحتجزين لديها مثل:
الدكتور عبد الرحمن شهبندر وشكري القوتلي وعادل الفطمة وسلطان الأطرش ومحمد عز الدين الحلبي وشكيب أرسلان وفوزي قاوقجي.
ثم عقد في بيروت مؤتمر لهاشم الأتاسي وإبراهيم هنانو ورفاقهم لتأليف حزب جديد سموه الكتلة الوطنية في حين بقي الآخرون إلى جانب الدكتور شهبندر في «حزب الشعب».
الجمعية التأسيسية والدستور:
جرت انتخابات الجمعية التأسيسية بحماس ونشاط وأسفرت النتيجة عن فوز كبير للوطنيين في دمشق وسائر البلاد، ثم اجتمعت الجمعية التأسيسية وانتخبت هاشم الأتاسي رئيساً لها. وفي جلسة إقرار الدستور انتظرت قوات الانتداب أن يطوي المجتمعون المواد الست التي تدعو لاستقلال سورية إلا أن هذه المواد تليت للنقاش، وفور خروج المفوض السامي بونسو من الجمعية أصدر قراراً بتأجيل انعقادها لمدة ثلاثة أشهر ثم تأجلت مرة أخرى وفي 5 شباط تبلغ النواب مذكرة المفوض السامي المتضمنة طي المواد الست من الدستور فهاج النواب واتخذت الجمعية قرارها التاريخي بالإصرار على بقاء هذه المواد في صلب الدستور فعطل المفوض السامي الجمعية التأسيسية لأجل غير مسمى. فسارت التظاهرات في المدن السورية وأبرق المسؤولون إلى عصبة الأمم المتحدة باحتجاجهم على تصرف سلطة الانتداب واستمرت الحال مضطربة حتى 14 أيار 1930م حين نشر الدستور بأمر من المفوض السامي وجاء كما أقرته الجمعية التأسيسية ثم تم تحديد موعد الانتخابات النيابية واشتركت بها الأحزاب على اختلافها وأظهرت نتائجها عام 1932م عن مفاجآت كبيرة مثل فشل ممثلي الكتلة الوطنية في حلب وبرز بين المرشحين المستقلين فوز محمد علي العابد الذي التف حوله نواب الكتلة ليمنعوا وصول صبحي بركات أو حقي العظم إلى كرسي الرئاسة. وفي حزيران من ذات العام اجتمع المجلس النيابي بدعوة من المفوض السامي وانتخب النائب محمد علي العابد فكان أول رئيس للجمهورية السورية بانتخاب. وانتخب صبحي بركات رئيساً للمجلس النيابي وكلف حقي العظم بتأليف الوزارة.
ثم عينت الحكومة الفرنسية الكونت دو مارنيل مفوضاً سامياً خلفاً لبونسو في تموز عام 1933 م. الذي عرض على رئيس الحكومة السورية حقي العظم مشروع معاهدة وُصفت بأنها «معاهدة سلم وصداقة بين فرنسا وسورية المستقلة ذات السيادة». فعمت المظاهرات المدن السورية كافة ورفض معظم النواب لهذه المبادرة، فحاولت قوات الانتداب ممارسة ضغوط على النواب وقدَّم حقي العظم استقالته من رئاسة الحكومة، ثم كلف الشيخ تاج الدين الحسني بتشكيل حكومة جديدة فعادت التظاهرات من جديد وسيق 80 من الزعماء الوطنيين إلى السجون وفي مقدمتهم سعد الله الجابري فاضطر دو مارنيل لعقد جولة مفاوضات مع هاشم الأتاسي ودعا وفد من الزعماء الوطنيين لزيارة فرنسا وعقد اتفاق هناك فتشكل الوفد برئاسة الأتاسي وعضوية فارس الخوري وجميل مردم بك وسعد الله الجابري واختارت الحكومة السورية التي شكلها عطا الله الأيوبي بعد استقالة حكومة الحسني اثنان للمشاركة بالوفد هما الوزيرين الشهابي والحمصي فغادروا سوريا معاً عام 1936م إلى فرنسا.
معاهدة 1936 م:
وقد عاد الوفد من فرنسا مطلع تشرين الأول 1936م بعدما وقع معاهدة تضمنت تسع مواد تنص على مختلف أوجه التعاون بين البلدين الحليفتين وعلى انتقال المسؤوليات من الحكومة الفرنسية إلى الحكومة السورية فور وضع المعاهدة موضع التنفيذ.
لكنها لم تأت على ذكر الانتداب ولا على موعد انتهائه وسحب الجيش الفرنسي. ثم افتتح المجلس النيابي في 21 كانون الأول 1936م فانتخب فارس الخوري رئيساً للمجلس، ثم تلي كتاب استقالة رئيس الجمهورية محمد على العابد وانتخب هاشم الأتاسي نائب مدينة حمص رئيساً للجمهورية الذي أصدر مرسوماً كلف بموجبه جميل مردم بك تأليف الحكومة وشارك فيها سعد الله الجابري وشكري القوتلي وعبد الرحمن الكيالي. وقد أصدر المفوض السامي دعماً للحكومة قراراً أفرج فيه عن السجناء السياسيين وفي مقدمتهم عبد الرحمن شهبندر وسلطان الأطرش وشكيب أرسلان وإحسان الجابري والشيخ رضا الرفاعي. فاستقبلوا استقبال الأبطال، كما أعلن نواب جبل الدروز تنازلهم عن وضعهم الخاص وانضمامهم إلى الدولة السورية كذلك أعلن نواب جبل العلويين بتنازلهم أيضاً عن وضعهم الخاص.
وعلى هذا الأساس عقد المجلس النيابي في 22 كانون الأول 1936م جلسته الثانية وأقر المعاهدة وانتظرت الحكومة السورية أن تقوم الحكومة الفرنسية بإقرار هذه المعاهدة لكي يتم تنفيذها. إلا أنها ماطلت كثيراً وامتنعت عن القيام بذلك هذا ما جعل جميل مردم بك يسافر إلى باريس لملاحقة الأمر لأكثر من مرة عام 37 و 38م وكانت حجج الفرنسيين دائماً خوفهم على سوريا من أي نفوذ أجنبي آخر، وسرت شائعات بالبلاد عن فصل لواء اسكندرونة عن سوريا.
وفعلاً ففي خريف عام 1938م جرى فصل لواء اسكندرونة عن سوريا.
ثم عُيّن غبريال بيو مفوضاً سامياً بدلاً من دو مارنيل الذي قضى خمس سنوات في سوريا ولبنان في تشرين أول 1938م وفي أول اجتماع له مع الحكومة السورية حث بيو الحكومة السورية على الأخذ بنظام الطوائف الذي رفض عام 1936م أيام دو مارتيل لمخالفته الدين الحنيف، ولما عزمت حكومة مردم بك على تطبيقه قامت بوجهها مواجهات صاخبة أجبرتها عن العودة عن قرارها وكان في طليعة المحرضين الشيخ كامل القصاب وعبد الرحمن شهبندر، بل أعاد المعارضون طرح قضية لواء اسكندرونة وأظهروا مردم بك كالخائن فاضطر لإعلان استقالته في 18 شباط 1939م فكلف هاشم الأتاسي لطفي الحفار بتشكيل حكومة جديدة الذي عملت في موضوع قانون الطوائف فطبق على المسيحيين فقط دون المسلمين، إلا أن النقمة الشعبية كانت تزداد يوماً بعد يوماً ولم يطل عمر حكومة الحفار فبعد عشرين يوماً من تشكيلها قدمت استقالتها ولم يقبل احد بتشكيل حكومة آنذاك فاستلم مندوب المفوض السامي في سوريا دو هوتكلوك إدارة الحكم مؤقتاً بالتعاون مع الحكومة المستقيلة، ثم قام نصوح البخاري يتألف وزارة جديدة في 5 نيسان 1939م إلا أنها لم تستطع تحقيق الاستقرار المطلوب، وكانت القوات الفرنسية تتدخل لقمع المظاهرات ما أدى ذلك إلى استقالة حكومة البخاري وبعد ذلك بثلاث أيام قدم هاشم الأتاسي استقالته فقام المفوض السامي في 8 تموز 1939م بإصدار قرار بتعليق الدستور وتأمين السلطة التنفيذية تحت مراقبة المفوض السامي، ثم تلت ذلك حكومة المديرين على رأسها مدير الداخلية بهيج الخطيب ولم تبدل هذه الحكومة في الأوضاع الادارية شيئاً سوى أنها قضت على نفوذ الكتلة الوطنية وصرفت كل موظف كبير ينتمي إلى حزب سياسي عن وظيفته. وأثناء الحرب العالمية الثانية عينت حكومة فيشي الجنرال دانتز مفوضاً سامياً في سوريا ولبنان بعد أن أقالت بيو في 24 تشرين ثاني 1940م، وقد رفع السوريون شكوى إلى دانتز ضد حكومة المديرين وفي هذه الأثناء بدأت زعامة شكري القوتلي تظهر جلية على رأس الحزب الوطني القائم مقام الكتلة الوطنية.
ثم حضر ضباط ألمان وإيطاليين وطلبوا من دانتز أن يؤمن الموارد اللازمة للجيش الألماني في الحرب، ثم قام دانتز بتعيين خالد العظم على رأس حكومة ليدير البلاد. إلا أنه في 8 حزيران 1941م انضم الكومندان كولية فجأة إلى جيش الجنرال ديغول وأعلن أن فرنسا الحرة سوف تمنح لبنان وسوريا استقلالهما ودخلت قوات بريطانيا وفرنسا الحرة من فلسطين إلى جنوب لبنان بعد مواجهة قوات حكومة فيشي التي انسحبت شمالاً ودخلت قوات الحلفاء دمشق بقيادة كولية الذي أصبح جنرالاً. ثم وصل الجنرال كاترو وعين مندوباً عاماً لفرنسا الحرة في سوريا ولبنان، ثم عهد كاترو إلى الشيخ تاج الدين الحسني برئاسة الجمهورية وشكلت حكومة جديدة برئاسة حسن الحكيم.
إعلان استقلال سوريا:
في 27 أيلول 1941م تقدم الجنرال كاترو إلى الحكومة السورية بتصريح خطي يتضمن إعلان استقلال سورية.
وقد تم على عهد الرئيس الشيخ الحسني تشكيل أربع حكومات فبعد استقالة حكومة الحكيم عهد إلى حسني البرازي بتأليف وزارة جديدة بقيت ستة أشهر دون خلاف إلى أن ظهر الخلاف إلى العلن بين الحسني والبرازي إذ كان البرازي يريد إعلان الموالاة لإنكلترا فيما كان الشيخ الحسني يريد إبقاء الصلة جيدة بفرنسا، وتمكن رئيس الجمهورية من إزاحة البرازي وكلف العقيد السابق جميل الألشي (مستقل) بتشكيل حكومة جديدة في 8 كانون الثاني 1943 م. وبعد أيام قليلة مات الشيخ تاج الدين الحسني فقام مقامه رئيس الوزراء بالوكالة عملاً بالدستور وفي 25 آذار 1943م أصدر كاترو قراراً بإنهاء مهمة وزارة جميل الالشي، وباتفاق مع الكتلة الوطنية حدد موعداً لانتخاب رئيس للمجلس ورئيس للجمهورية.
وفي 17 آب 1943م اجتمع المجلس النيابي وانتخب فارس الخوري رئيساً له وشكري القوتلي رئيساً للجمهورية وبعد يومين تألفت الحكومة الجديدة برئاسة سعد الله الجابري وكانت أكثريتها من الكتلة الوطنية. وقد عملت هذه الحكومة بالاتفاق مع الحكومة اللبنانية برئاسة رياض الصلح على نقل الصلاحيات إلى الدولتين السورية واللبنانية من الدولة الفرنسية وكانت بداية ذلك في 23 كانون الأول 1943م وإثر الخلاف بين رئيس الوزراء الجابري ووزير الداخلية لطفي الحفار تشكلت حكومة جديدة في 14 تشرين أول 1944م برئاسة فارس الخوري.
نهاية الانتداب:
ازدادت الاتصالات بين رجال الحكم في سوريا ولبنان وبين الساسة البريطانيين الذين كثر تواجدهم بعد انسحاب جيش فيشي المنطقة، قابل ذلك تصرفات سيئة من الجانب الفرنسي دلت على رغبة فرنسة بعدم تنفيذ وعدها بالاستقلال التام والجلاء.
وغاب عن فرنسا التغيرات المهمة الحاصلة في العالم في نهاية الحرب العالمية الثانية، ولم تقدِّر حقيقة ضعف وجودها العسكري في سوريا ولبنان بعد خروج قوات فيشي الفرنسية وأصبحت القوة العسكرية في كلا البلدين متمثلة بجيوش بريطانية والتي قام ممثلوها السياسيون على الصعيدين الرسمي والشعبي برعاية واسعة تستهدف دعم تحرر سوريا من الاحتلال الفرنسي وقد صرحت بذلك لبعض الزعماء الوطنيين، كما أنها كانت قد اتهمت فرنسا بطريقة غير مباشرة بأنها لن تتدخل بشؤون فرنسا إذا ما استعملت القوة العسكرية ضد أي تحرك سوري.
وهكذا وقعت فرنسا في الفخ فأوعزت إلى ممثليها في سوريا ولبنان باستخدام القوة لإخماد التحركات ولإرغام حكومتي البلدين على الاستجابة لطلباتها رغم إعلانها رسمياً استقلال البلدين. وجاءت حوادث الأيام الثلاثة الأخيرة من أيار 1945م حيث اندلعت اشتباكات عنيفة بين الجنود الفرنسيين وقوات الأمن السورية وقَصَفَ الجيش الفرنسي الأحياء المدنية بدمشق مما أدى إلى وقوع المئات من الضحايا فانتقلت هذه الحوادث إلى باقي المحافظات إذ هبَّ الأهلون جميعاً يهاجمون المواقع الفرنسية وقد توقفت هذه الأحداث الدامية بتدخل القوات البريطانية وتسلمها القيادة العسكرية مكان القوات الفرنسية، وقد أرسل تشرشل رئيس الوزراء البريطاني برقية إلى ديغول يعلمه بذلك حرصاً على القوات الفرنسية على أن تتم لاحقاً مفاوضات في لندن للبت بقضية الاستقلال، وقد طلب المسؤول البريطاني «باجيت» من الرئيس السوري عند لقائه أن يكتب له طلب خطي يطلب منه تدخل القوات البريطانية لوقف العدوان الفرنسي.
الجلاء:
بعد عودة رئيس الوزراء فارس الخوري من سان فرنسيسكو شكل وزارة جديدة استمرت 35 يوماً فقط ثم أعيد تكليف سعد الله الجابري بتشكيل حكومة جديدة وفي شباط 1946م أقر مجلس الأمن الدولي جلاء الجيوش الفرنسية عن سوريا فبدأت حكومة الجابري باستلام الإدارات من حكم الانتداب وفيما يتم الانسحاب الكامل للفرنسيين وبعد عدة مفاوضات بين سوريا ولبنان وفرنسا وبريطانيا تقرر جلاء الجيوش الفرنسية عن سوريا في نيسان 1946م وعن لبنان نهاية عام 1946 م.
الثورة السورية الكبرى:
امتدت هذه الثورة منذ 1919 حتى عام 1929م قام بها الوطنيون السوريون دفاعاً عن أرضهم ووطنهم فبعد إعلان فرنسا عن عزمها لانتداب سوريا توجهت قواتها إلى دمشق لدخولها فوقفت بوجهها بعض القوى العسكرية المتبقية من الجيش السوري الذي حلَّه الملك فيصل قبل رحيله إلا أن ثلة من القادة رفضت تسليم البلد للفرنسيين بقيادة يوسف العظمة فوقفت بوجههم في معركة ميسلون في 24 تموز 1925م وقد استشهد على إثرها يوسف العظمة والعديد ممن كان معه، إثر ذلك عمت الثورة في جميع أنحاء سوريا وفي كافة المناطق.
في المنطقة الساحلية:
قامت الثورة بقيادة الشيخ «صالح العلي» وقد خاض العديد من المعارك ضد القوات الفرنسية وقد ألحق بها العديد من الخسائر البشرية والمادية، ومن أهم المعارك التي حصلت في هذه المنطقة النيحا غربي وادي العيون في كانون الثاني 1919 م.
وفي 2 آذار 1920م قام رجال الشيخ صالح العلي بالهجوم على حامية القدموس وإرغامها على الاستسلام بعد أيام من الحصار، إلا أن سقوط دمشق بيد الفرنسيين عقب معركة ميسلون أثر في إضعاف موقف الثورة، وما إن حلَّ شهر تشرين الأول حتى قبض على الشيخ صالح العلي وسجن في قلعة جزيرة أرواد حيث لا تزال هناك قلعة تحمل اسمه.
في المنطقة الشمالية:
قاد هذه الثورة في بدايتها أنصار تركية، وقد حدثت معارك شرسة أشهرها في مخفر الحمام في 22 كانون الثاني 1920م، وعندما تم الصلح بين فرنسا وتركيا انسحب هؤلاء القادة فتولى يوسف السعدون القيادة وشجع والي حلب رشيد طليع الثورة بإيعاز من الملك فيصل وقد اتفق والي حلب مع رئيس الديوان «إبراهيم هنانو» على الأخذ بخطة الأخير بتشكيل زمر صغيرة قليلة العدد سريعة التنقل تقوم على إزعاج السلطة الفرنسية، وقد حققت هذه الزمر نجاحاً بارزاً وبرز إبراهيم هنانو كقائد للثورة في المنطقة الشمالية. وقد كان يأتي بالدعم من الناس للثوار من تركيا وكان من أهم المعارك التي خاضها هنانو معركة مزرعة السيجري ومعركة كفر تخاريم. وقد حاول الفرنسيون إغراء هنانو بتسليمه رئاسة حكومة محلية في حلب لكنه رفض ووضع في أول مطالبه إلحاق دولة حلب بسوريا وضمها إليها، بيد أن توقف الدعم الخارجي وضعف إمكانيات الثورة الداخلية وتشديد الفرنسيين من ضغطهم على منطقة حلب اضطر القادة إلى التفرق والتواري عن الأنظار لفترة محددة ما لبثوا أن عادوا إلى عملياتهم الفدائية من جديد متضامنين مع رفاقهم الثوار في جميع المناطق السورية.
في المنطقة الشرقية:
في بداية كانون الأول 1918م وصلت القوات العربية إلى دير الزور واستقبلت بحماسة وبعد أسابيع قليلة أي في كانون الثاني وصلت القوات الإنكليزية وفرضت نظاماً جائراً فاتصل زعماء دير الزور بحاكم الرقة رمضان شلات وطلبوا منه احتلال دير الزور وإلحاقها بحكومة دمشق وهذا ما حصل وقد انضمت القبائل العربية إلى قوة شلاش واحتلت موقع الحامية البريطانية في 12 كانون الأول 1919م، وقد أنذر شلاش القيادة البريطانية بأن أي محاولة تدخل ستؤدي إلى قتل جميع من في الحامية البريطانية.
وهكذا ضُمت هذه المنطقة إلى الحكومة السورية من نهر الفرات إلى البوكمال.
ثم تابع وطنيو الجزيرة تحركاتهم في جهة الاحتلال الفرنسي، وكانت السلطات الفرنسية ترسل الحملة إثر الأخرى إلى تلك المنطقة إلا أن أكبر حملة كانت في 28 أيلول 1921م حيث اضطر شيوخ العشائر إلى الاستسلام باستثناء بني طابور وبني بكر الذين تابعوا عملياتهم العسكرية وكان من أشهرها معركة الطيبة (24/10/1921 م). واستمرت العمليات مع نشوب ثورة دمشق والغوطتين.
في المنطقة الجنوبية الغربية:
اندلعت أحداث هذه الثورة في آخر آب 1919م إثر حادث إطلاق النار على موكب جورج بيكو قرب قلعة بعقلين، إذ قامت القوات الفرنسية بالتنكيل بالسكان، فثارت الاضطرابات في جميع القرى المجاورة ونواحي مرجعيون، وقد أمد سلطان باشا الأطرش ثوار هذه المنطقة بالمدد وساندهم في ثورتهم. إلا أن السلطات الفرنسية عملت جهدها لتصفية قواعد الثورة في هذه المنطقة فخصصت لها ثلاث حملات عسكرية.
في جبل الدروز:
قاد هذه الثورة سلطان الأطرش، بدأت عوامل هذه الثورة بالتفاعل بعدما أصدر المفوض السامي في عام 1921م قراراً منح فيه جبل الدروز نوعاً من الاستقلال الذاتي في سياق السياسة الفرنسية القائمة على مبدأ: «فرق تَسُدْ».
ومن أهم المعارك التي اندلعت في تلك المنطقة معركة الكفر وجرت في 21 تموز 1925م وانتهت بمقتل قائد الحملة الفرنسي «نورمان» وإبادة معظم جنودها وعددهم 174 جندياً، ثم حصلت معركة المزرعة حيث أرسلت القوات الفرنسية حملة لفك الحصار عن حامية القلعة التي حاصرها الثوار لكن الحملة فشلت وقتل عدد كبير من الفرنسيين وغنم الثوار أسلحة ضخمة وكثيرة.
وقد كان سلطان الأطرش يساعد ويدعم باقي الثوار في كافة المناطق ويعمل على التنسيق فيما بينهم، فكانوا بذلك يشكلون ضغطاً كبيراً على سلطة الانتداب فتضطر إلى إجراء المفاوضات معهم وكان زعماء هذه الثورات يتمسكون بمطالبهم المطالبة ب ـ : إعادة توحيد سوريا وانسحاب الوحدات الفرنسية، وهذا ما دعى المفوض الفرنسي دو جوفنيل إلى توجيه حملة جديدة اسمها (أندريا) التي دخلت السويداء وشهبا وصلخد عام 1926م واستطاعت بذلك تصفية قواعد الثورة في جبل العرب والمنطقة الجنوبية.
الثورة في دمشق والغوطة:
بدأ إعلان الثورة إثر الاجتماع الذي عقده زعماء دمشق آنذاك ومنهم: عثمان الشرباتي ويحيى حباتي والدكتور عبد الرحمن الشهبندر وفوزي ونسيب البكري وسعيد حيدر وبدأت العمليات القتالية العسكرية ضد الفرنسيين وكان قادة العمل العسكري عبد القادر سكر ومحمد مجازي وحسن الخراط وقد تمكن الأخير من نقل المعركة إلى داخل الأحياء الدمشقية مما أثار الذعر الكبير في نفوس الفرنسيين فقاموا بإمرة المفوض السامي سراي بقصف الأحياء السكنية في دمشق فتدخل قناصل الدول الأجنبية لإيقاف القصف وعُزل سراي عن مهامه في المنطقة وقد استمرت المعارك بل احتدمت بعد ذلك وتوسعت رقعتها لتشمل الغوطة. وقد سقط حسن الخراط شهيداً في إحدى هذه المعارك غير المتكافئة في 16 كانون الأول 1925م بعد هذه الثورة بدأت السلطة الفرنسية تأخذ ببعض وجهات النظر الوطنية ومنها إعادة توحيد سوريا، ووضع دستور جديد لحكم البلاد وغيرها…
سوريا (بعد الاستقلال) 1945 ـ 1970 م:
بدأ حكم الاستقلال (رئيس الجمهورية شكري القوتلي) وسط أزمة اقتصادية خانقة سنة 1949م وكانت أولى مهام هذا الحكم رسم سياسة خارجية، والموقف من الدول العربية المجاورة والعلاقة مع تركيا، ولقد تميزت سنتا 1948 و 1949م بإخلال وفساد كبيرين في شكليهما النيابي والإداري… فالرجال الذين قادوا العمل النضالي الاستقلالي لا تجربة لهم في الحكم والعمل الحكومي، فبدأت الإضرابات تتوالى، وقد جرت تشكيل عدة حكومات في هذه المرحلة لتصحيح الوضع، وكان أكبر امتحان في هذه المرحلة مر على حكومة جميل مردم بك هو القضية الفلسطينية، فحين وصل قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين سارت المظاهرات في مختلف المدن السورية، فقام مجلس النواب بإقرار قانون خدمة العلم وزيادة الضرائب وشراء الأسلحة، واستقال كثير من الضباط السوريين كي يشاركوا في جيش الإنقاذ وبدأت عصابات مسلحة يقودها أديب الشيشكلي وأكرم الحوراني بمهاجمة مستوطنات يهودية قرب الحدود مع سوريا، وفي 16 أيار أي بعد يومين من إعلان بن غوريون قيام دولة إسرائيل دخل الجيش السوري فلسطين ولكن سرعان ما صُدَّ في وادي الأردن بعد قتال ضارٍ. وفي آب 1948م تشكلت حكومة جديدة برئاسة جميل مردم بك قامت باعتقال ميشال عفلق بتهمة توزيع منشورات تدعو إلى حل البرلمان. فنشبت بعد ذلك أزمة سياسية صحبها تدهور اقتصادي وحصلت مواجهات دموية فاستقالت الحكومة في أول كانون أول 1948م وأصبحت سوريا بلداً بلا حكومة ويهيمن عليها مواطنون هائجون واقتصاد منهار وقد أخفق معظم السياسيين في تلك الفترة بتشكيل حكومة جديدة وفي 3 كانون أول 1948م أمر قائد الجيش حسني الزعيم بالتدخل لوضع حد للاضطرابات الواسعة وأخضع الصحافة لرقابة قاسية ونجح خالد العظم بتشكيل حكومة حكمت تحت مظلة الجيش حتى أواخر 1949 م.
وفي صباح 30 أذار 1949م قام الزعيم حسني الزعيم بتسلم زمام الأمور في سوريا فعمد في 3 نيسان إلى حل المجلس النيابي رسمياً وقام ب ـ 7 نيسان بإعلان استقالة كل من شكري القوتلي وخالد العظم ووضعهما في سجن المزة.
شكل الزعيم في 17 نيسان 1949م حكومة وترأسها بنفسه ثم انتخب رئيساً للجمهورية بإجماع ثم شكل حكومة رأسها محسن البرازي واتخذ الزعيم لنفسه لقب المشير.
وقد حدث على عهده العديد من المشاكل والقضايا الحساسة مع بعض الدول العربية ولعل أهمها كانت قضية أنطون سعادة الذي كان رئيس الحزب القومي السوري الاجتماعي وهربه من لبنان واستقبل لاجئاً سياسياً في سوريا وقد أكرم الزعيم في وفادته ولكنه فجأة قام في أول تموز بتسليمه إلى السلطات اللبنانية حيث أعدم فوراً. فكانت ردة الفعل السورية شديدة ومستنكرة مما أفقد في شعبيته إضافة إلى سياسته العامة الموالية للغرب وإصلاحاته العلمانية. وقد وضع حد للزعيم حين أطاح به خصومه العسكريون في 13 آب 1949م بقيادة سامي الحناوي ومحسن البرازي، وبعد يومين على الانقلاب سلم الحناوي السلطة رسمياً إلى هاشم الأتاسي، وقد أعلن الحناوي أن مهمته قد انتهت.
وحدد موعد الانتخابات في 15 تشرين الثاني 1949م وكان من أبرز المرشحين في حزب البعث: ميشال عفلق وصلاح الدين البيطار وشكلت رابطة العلماء «الجبهة الاشتراكية الإسلامية الجديدة برئاسة مصطفى السباعي.
قبيل هذه الانتخابات برز موضوع الاتحاد مع العراق، وعادت مصر والسعودية لتمارسان ضغطاً معارضاً، وكان الحناوي أقرب إلى الجهات التي تحبذ هذا الاتحاد.
وكان أمام المعادين للاتحاد بديل واحد فقط هو تشكيل تحالف معارض لهذا الاتحاد، وقد كان العقيد أديب الشيشكلي قائد اللواء الأول المتمركز في درعا قائداً لهذه العناصر وأكرم الحوراني في حلقة الوصل وتحرك الشيشكلي في 19 كانون أول 1949م واحتجز اللواء سامي الحناوي وأعلم الرئيس الأتاسي بالأمر وطلب منه تشكيل حكومة جديدة، وعندما لم ينجح بذلك، قام خالد العظم بتشكيل حكومة جديدة وفي 7 نيسان أدى الرئيس الأتاسي القسم الدستوري.
وقد تغيرت عدة حكومات في هذا العهد فبعد حكومة خالد العظم قام ناظم القدسي بتشكيل حكومتين متتاليتين وكان الجيش ممثلاً بوزير الدفاع فوزي سلو، ثم عاد خالد العظم وشكل وزارة جديدة عام 1951م في شهر أذار وفي شهر تموز قدم استقالته ليقوم حسن الحكيم بتشكيل حكومة جديدة وكان الزعيم سلو وزيراً للدفاع ما يعني موافقة الشيشكلي على هذه الحكومة، إلا أن الخلاف سرعان ما عاد إلى هذه الحكومة حول نفوذ الجيش. فقامت أزمة جديدة أطاحت بوزارة الحكيم في 10 تشرين أول 1951م وبين 10 تشرين الثاني و 28 تشرين الثاني كلف الرئيس الأتاسي على التوالي كل من رشدي الكينميا، وناظم القدسي، وزكي الخطيب، ومعروف الدواليبي، وسعيد حيدر، وعبد الباقي نظام الدين تشكيل الوزارة وجميعهم اعتذر بعد يوم أو يومين. إلى أن أقنع الأتاسي الدواليبي بتشكيل الحكومة وأفلح بذلك إلا أنه في اليوم التالي حصل الانقلاب الأبيض برئاسة أديب الشيشكلي فاعتقل الوزراء وقدم الأتاسي استقالته فتولى الشيشكلي كافة أمور الدولة وحلَّ البرلمان وأصدر أمراً بتولي فوزي سلو السلطتين التشريعية والتنفيذية وحظرت الأحزاب ما عدا البعث والاشتراكي إلا أنهما في 6 نيسان لقيا المصير نفسه.
وفي حزيران 1952م شكل الشيشكلي حكومة لمساعدة سلو لم تحوِ أي أسماء لامعة ومنذ أواخر صيف 1952م بدأت تظهر علامات تململ وسخط في الجيش.
ففي 28 كانون الأول كشف عن مؤامرة فأحيل عدد من الضباط على التقاعد. منهم رئيس الأركان السابق أنور بنود، كما اعتقل العديد من المدنيين أهمهم محمود وشوكت وأكرم الحوراني وميشال عفلق وصلاح الدين البيطار.
وفي عام 1953م ثبت الشيشكلي رئاسته باستفتاء شعبي، ثم أعلن عن عفو عام عن السجناء السياسيين وتخلى عن منصبه كرئيس للأركان لشوكت شقير.
وفي 14 أيلول 1953م رفع الشيشكلي الحظر المفروض على الأحزاب مستثنياً الشيوعيين واندمج حزبا عفلق (البعث) والحوراني (الاشتراكي) ليصبحا «حزب البعث العربي الاشتراكي» وجاءت نتائج الانتخاب لمصلحة حركة التحرير العربي (التابعة للشيشكلي).
بعد ذلك عم الهياج أنحاء سوريا لا سيما بين الطلبة، وبدأت حالة من التمرد العسكري في حلب في 25 شباط 1954م ما لبثت أن انضمت لها القيادات العسكرية في باقي المدن السورية، فتباحث شوكت شقير مع الرئيس الشيشكلي الذي قدم استقالته وهرب إلى بيروت ومنها إلى السعودية. ثم أعلن بعد ذلك شقير أن الأسباب التي منعت استمرار الحكم الشرعي ومنعت صاحب الفخامة هاشم الأتاسي من متابعة ممارسة صلاحياته قد زالت.
بعد مشاورات أجراها الأتاس شكل سعيد العزبي في 19 حزيران عام 1954م وزارة محايدة ثم عين الرئيس الأتاسي موعداً لإجراء الانتخابات في 24 أيلول وفي 5 تموز عاد القوتلي بعد 5 سنوات من النفي ولقي ترحيباً واسعاً، وجرت الانتخابات ففاز المستقلون ب ـ 29 مقعداً من دون كتلة كان من أهمهم خالد العظم والبعث 17 مقعداً وخالد بكداش وغيره…
ثم كلف فارس الخوري بتشكيل حكومة كان من مهامها مواجهة التوتر بين دمشق والقاهرة نتيجة الحلف الذي يقيمه الغرب في المنطقة إضافة إلى اختيار جماعة الإخوان المسلمين دمشق مقراً لها وهي على عداء مع مجلس قيادة الثورة المصرية، ثم كان إعلان العراق في كانون الثاني 1955م عقد ميثاق مع تركيا فشق العالم العربي بذلك الاتفاق. فصرّحت الحكومة السورية أنها لن تنضم إلى حلف بغداد وقدم الخوري استقالته.
بعد ذلك بأيام شكل العسلي وزارته متضامناً مع خالد العظم وكان البيان الوزاري تصريحاً بالحياد ورفضاً مجدداً للحلف العراقي التركي ودفاعاً شديداً عن ميثاق الأمن القومي الذي ترعاه القاهرة وبعد ذلك انضمت سوريا إلى هذا الميثاق مع مصر والسعودية.
ثم جاءت قضية اغتيال عدنان المالكي وهو معاون رئيس الأركان العامة للجيش وكان مقاوماً عنيداً لحلف بغداد وقتله شاب ينتمي للحزب القومي السوري الاجتماعي في 22 نيسان 1955م فكان ذلك سبباً كافياً لتصفية هذا الحزب وتعميق التقارب مع مصر.
وفي 18 آب 1955م انتخب شكري القوتلي رئيساً للجمهورية وشكل سعيد العزبي في 23 آب حكومته الجديدة واكتسب الاندفاع نحو اليسار زخماً جديداً قطباه الأساسيان البعثي والشيوعي.
وفي أواخر 1955م حدث انشقاق في حزب البعث بين جناحيه (الاشتراكي العربي ـ أكرم الحوراني والبعث الاشتراكي ـ ميشال عفلق وصلاح الدين البيطار) حول الحلف الذي شكله جناح الحوراني مع زعيم الشيوعيين خالد بكداش، وكذلك حول دعوة جناح عفلق الحكومة بضرورة عدم الذهاب بعيداً في معاداة العراق.
وفي 15 حزيران 1956م شكل صبري العسلي وزارته وقالت هذه الوزارة في بيانها أنها ستعمل لتحقيق الوحدة مع مصر والأردن والدول العربية المتحررة الأخرى.
في هذا الوقت حصلت أزمة السويس في مصر وحصل الاعتداء الأثيم الذي شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر، فقامت قوات سورية بأمر من عبد الحميد السراج بتدمير عدد من محطات الضخ البترولية الخاصة بنفط العراق.
وأعلن عن كشف مؤامرة لقلب نظام الحكم بدعم من العراق فأوقف أفراد هذه المجموعة بينهم 8 نواب، وفي هذا الجو المحموم أعاد العسلي تشكيل حكومة جديدة أقوى ليتسنى لها التصدي لهذه المؤامرات ولتقترب أكثر من مشروع الوحدة مع مصر.
وقد طرح وفد سوري إلى مصر هذا الموضوع عند زيارتهم لمصر ومقابلة عبد الناصر أوائل آذار 1957م وقد كان رد الرئيس فاتراً نوعاً ما بسبب طبيعة المشاكل السائدة في سوريا ثم تحول الخلاف الداخلي في سوريا إلى خلاف دولي فقد أذاع راديو دمشق في 23 آب 1957م عن كشف مؤامرة حاكتها أميركا للإطاحة بالحكومة السورية فقامت حملة تطهير في صفوف الجيش ثم أعلنت مصر في 9 أيلول 1957م أنها تمنح سوريا دعمها غير المشروط. وبعد يومين عقد في القاهرة فجأة اجتماع قمة عسكري سوري ـ مصري برئاسة عبد الناصر انتهى بوضع جيش الدولتين بإمرة القيادة المشتركة وقائدها الفريق عبد الحكيم عامر ووصلت إلى سوريا وحدة من الجيش المصري نزلت في اللاذقية أدت إلى انفجار شعبي حماسي مطالب بالوحدة السورية المصرية.
الوحدة بين سورية ومصر:
الجمهورية العربية المتحدة (1 شباط 1958 أيلول 1961 م) جاءت الخطوة الأولى في هذا الاتجاه في 9 كانون الأول 1957م حين عرض ميشال عفلق فكرة حزب البعث حول وضع مشروع قانون من أجل قيام اتحاد فيدرالي مع مصر ليعرضه على الحكومة وقد كان حزب البعث متخوفاً من ازدياد نفوذ الحزب الشيوعي داخل الدولة فوجد البعثيون في الوحدة مع مصر المخرج الوحيد من هذا المأزق فعبد الناصر لن يسمح بوجود الشيوعيين بالدولة كما فعل في مصر أما الأحزاب السياسية الأخرى ومنها البعث فستكون مرغمة على حل نفسها فعبد الناصر قرر ألا متسع للأيديولوجيات السياسية المتصارعة. كما أن عقيدة البعث الوحدوية والاقتصادية تتفق وعقيدة عبد الناصر لذلك فالقيادة البعثية كانت على ثقة بأنه سيسمح لها بالإشراف على الحركة السياسة في البلاد وعلى حين غرة وصل في 12 كانون الثاني 1958م وفد من الضباط السوريين ولحقه بعد أيام صلاح الدين البيطار وزير الخارجية ليطلبوا من عبد الناصر إقامة اتحاد فوري بين البلدين لأن الشيوعيين على وشك استلام مقدرات البلاد.
بادىء الأمر وافق الشيوعيون على مشروع الوحدة لكن سرعان ما رفض بكداش التوقيع على إعلان الوحدة ورفض حل الحزب وغادر سورية إلى الاتحاد السوفياتي مقاطعاً جلسة انتخاب جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية العربية المتحدة.
أعلن عبد الناصر في مجلس الأمة المصري في 5 شباط 1958م برنامجاً وحدوياً من عدة نقاط تضمنت مجلساً تشريعياً مؤلفاً من 400 نائب مناصفة تقريباً بين السوريين والمصريين.
وفي 6 أذار 1958م أعلنت الحكومة للجمهورية العربية المتحدة وضمت أربعة نواب للرئيس هم أكرم الحوراني وصبري العسلي (سوريا) عبد اللطيف البغدادي وعبد الحكيم عامر (مصر) و 30 وزيراً منهم 12 وزيراً سورياً أبرزهم عبد الحميد السراج للداخلية وصلاح البيطار وزير دولة وخليل كلاس للاقتصاد والتجارة. كان صبري العسلي أول المستقلين من الحكم (أول تشرين أول 1958 م). وقد كان عبد الحميد السراج يزيد من إحكام قبضته على الأوضاع الداخلية، بعد ذلك أيضاً استقال البيطار وكلاس وقد استشعر أن البعث بدأ يفلت من أيديهما وأن كثيراً من أعضائه التحقوا إلى الاتحاد القومي.
وفي 7 آب 1960م أعيد تنظيم الوزارة في الجمهورية المتحدة فأصبح السراج نائب رئيس الجمهورية ونقل إلى القاهرة، وهذه غلطة عبد الناصر. فبزوال السراج عن سوريا أحست العناصر السورية المعادية بالراحة وبالحرية وبات الوضع مناسباً للانقلاب من جديد الذي فصم عرش الوحدة في 28 أيلول 1961م، وقد كان السبب المباشر لذلك هو الذعر الذي خلقته قرارات التأمين التي أصدرها عبد الناصر في تموز 1960 م.
الحكم السوري بعد الوحدة:
في اليوم التالي للإنقلاب الانفصالي أعلنت في سوريا حكومة جديدة برئاسة مأمون الكزبري وحدد موعد للانتخابات وفاز فيها غالبية الأحزاب والنواب الذين كانو في مجلس 1958م واتجه الحكم من جديد باتجاه العراق فبدأت المعاهدات والاتفاقات تعقد بين البلدين.
وبدأ اللقاء بين رئيسي الدولتين كأنه يوشك أن يفضي إلى الوحدة بينهما. ولكن سرعان ما غاصت سوريا في الانقلابات والانقلابات المضادة من جديد خاصة في صفوف ضباط الجيش. بدأت الأزمة بقيام العقيد النحلاوي، الذي حطم الوحدة بالقبض على الحكومة وإيداعها السجن مع رئيسها القدسي، وقد أضاف هذا الاستباق باقي الضباط والناصريين فقاموا بتجميع بعضهم ضده وتمردوا عليه واقتحموا قلعة حلب وانضم إليهم فيما بعد حافظ الأسد وصلاح جديد ومحمد عمران. وبدأت هذه الجماعات تخطط للانقلاب، وفعلاً في 8 أذار 1963م استطاع الضباط البعثيون من السيطرة على الحكم وإنشاء «المجلس الوطني لقيادة الثورة» الذي راح يبحث في توحيد الجبهة مع العراق الذي كان البعث فيها قد سبق البعث في سوريا في الانقلاب الذي أطاح بحكم عبد الكريم قاسم ولإجراء مباحثات مع عبد الناصر لإقامة وحدة ثلاثية (سوريا، مصر، العراق).
وقد أعلنت الوفود المتفاوضة في 16 نيسان 1963م عن «ميثاق الوحدة الثلاثية» إلا أن هذا الميثاق لم يعد الثقة ولم يوقف الصراع بين البعث والقوى الناصرية في سوريا والعراق. وبفشل الميثاق اندلعت الاضطرابات من جديد واضطر البعث من جديد لإجراء عمليات إقصاء من جديد لكل من هو مخالف لهم، فتم منح المجلس الوطني لقيادة الثورة من نفسه السلطة التنفيذية والعسكرية.
وفي أعقاب هذه الأزمة ومجيء حكومة تهدئة رأسها صلاح البيطار تولت الحكم وزارة برئاسة أمين الحافظ عملت على تأميم موارد البلاد البترولية والمعدنية.
وقد انتقلت هذه الصراعات إلى داخل حزب البعث لا سيما بعد أن احتل العسكريون مواقع مهمة ومؤثرة داخل الحزب وقد ساد تشكيل القيادات والوزارات جو من التنافس الحاد على السلطة وانفجر الصراع الحزبي العلني في حركة حزبية عسكرية ضد القيادة القومية سميت حركة 23 شباط 1966م تسلم مقاليد الأمور في سوريا إثرها كبار ضباط الحزب فعين نور الدين الأتاسي رئيساً للجمهورية ويوسف زعني رئيساً للوزراء وصلاح جديد أميناً قطرياً مساعداً ونشطت الحكومة في إنجاز بعض المشاريع الكبرى.: مثل سد الفرات والنزاع مع شركة ABC. بيد أن حرب 67 حدت كثيراً من نفوذ الحكم السوري فيما بعد واستطاع ضابط طيار استغلال تلك الظروف ليمسك بالبلد من جديد بحزم ليصل بعد عامين تقريباً من ذلك لتسلم زمام سوريا فيما بعد.
حرب 67 وخسارة الجولان:
كانت إسرائيل قبل شهرين من اندلاع الحرب قد بدأت سلسلة من الانتهاكات لاتفاقية الهدنة مع سوريا نجم عنها اشتباكات وتهديدات إسرائيلية وفي 13 أيار علمت القيادة المصرية عن طريق المخابرات السوفياتية بوجود حشود إسرائيلية على الحدود مع سوريا، فبدأت القوات المصرية عملية حشد واسعة لقواتها وعلنية لتؤكد أن مصر ستقف مع سوريا إذا ما ضربتها إسرائيل.
وفي صباح الخامس من حزيران 1967م بدأت إسرائيل بهجوم جوي على القواعد الجوية المصرية واستطاعت بفترة قليلة القضاء على القوات الجوية وسيطرت بالتالي على الجو الأمر الذي سهل لقواتها البرية بالاندفاع بقوة في سيناء والضفة الغربية والجولان. ولم يتوقف القتال إلا في 10 حزيران 1967 بعد ما احتلت إسرائيل الضفة الغربية وسيناء والجولان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أصل العرب

أصل العرب أصل العرب من اليمن من بنو قحطان العرب العاربة ولكن يقول العلامة سديو ...