ميخائيل عبود البحري

ميخائيل عبود البحري
(1718م ـ 1803م)
أصل الأسرة:
لقد تحقق أن أسرة (البحري) قديمة العهد في حمص وكانت قبلاً تدين بالمذهب الأرثوذكسي، وقد انتشرت فروعها في دمشق ومصر والشيلي، أما أسرة (البحري) المعروفة في فلسطين فإنها لا تمت لأسرة البحري الحمصية الأصل بصلة القربى.
مولده ونشأته:
هو ميخائيل بن عبود البحري، ولد في حمص سنة 1718 م، وتلقى علومه الابتدائية على شيوخ عصره. وتجلت مواهبه وميله للعلم والأدب، فأكب على المطالعة والدراسة الخاصة، ورأى هذا الفتى أن بيئة بلده حمص الاجتماعية والعلمية لا تستوعب مدى مواهبه. واضطرته الأحوال أن يرحل مع والده إلى دمشق.
نزوحه:
لقد استوطن دمشق بضع سنين وعاشر في فجر نبوغه فضلاء العلماء والأدباء، وفي سنة 1770م اعتنق مذهب الروم الكاثوليك، وقد أدى لطائفته المولودين في دمشق التي لم يكن أي بطريرك كاثوليكي يستطيع الدخول إليها منذ عام 1724م وبفضل مساعيه لدى إبراهيم باشا بنيت كتدرائية يبرود على بقايا معبد جوبتير التاريخي، ولم يكن تشييد كنيسة درب الجنينة التي يفصلها باب صغير عن قصر ولده حنا بك البحري القديم وتعيين أول أسقف ليمثل السلطة البطريركية لأول مرة في مصر إلا ثمرة جهود حنا بك الذي كانت له حظوة كبيرة لدى محمد علي باشا وولده القائد إبراهيم باشا خدمة في عكا. ترك الشاعر المترجم له دمشق مع أبيه وأقام في عكا حيث عكف على الدراسات الأدبية تحت إشراف العلامة الشيخ أحمد الشويكي مفتي عكا، وقد ذاع صيته واشتهر علمه وأدبه، فدخل ديوان الشيخ ظاهر العمر الزيداني حاكم أيالة عكا بالتماس وزيره إبراهيم الصباغ الكاثوليكي فقربه الحاكم تقديراً لمواهبه، وكان زميله الصباغ يرشده ويتولى تهذيبه ويشد أزره وبقي في ديوان عكا من سنة 1771 حتى سنة 1775م.
النكبة الأولى:
لقد كان إبراهيم الصباغ مناظراً على أموال الحاكم الشيخ ظاهر العمر وموارده ونفقاته فتخلف الحاكم عن دفع الأموال الأميرية المفروضة عليه فحاصر حسن باشا قبودان أمير البحر عكا واحتلها عنوة وقتل الشيخ ظاهر وهو من شيوخ القيسيين المتاولة الذي اغتصب الحكم في عكا، فكان ذلك في أوائل سنة 1776م وضبط خزائنه واستصفى أمواله، وكان سبب هذه النكبة إبراهيم الصباغ الذي تلكأ بدفع الأموال المفروضة، وكان نصيبه الشنق في (صاري) مركب أمير البحر.
في خدمة الأمير الشهابي:
وتشتت الشمل بعد هذه النكبة، فشد المترجم له رحاله إلى الأمير يوسف الشهابي والتحق في خدمته وحاز على ثقته، واقتضى الأمر أن وفده الأمير بمهمة إلى أحمد باشا الجزار وكان والياً على عكا فاستبقاه في ديوانه للاستفادة من مواهبه.
النكبة الثانية:
وعلى الرغم من أنه كان مخلصاً في عمله، فإن الجزار سجن صاحب هذه الترجمة مع فريق من زملائه وبقي حتى سنة 1789م في سجنه، وكان نتاج عبقريته ديوان شعر نظمه وقد لاقى من صنوف العذاب ما لا يمكن وصفه ولم يطلق سراحه إلا بعد أن قطعت أذناه وأنفه ومن زملائه في السجن الشاعر الناثر حنا بن ميخائيل عورا فقد كان نصيبه قطع أُذنيه وأنفه، ولم يجد شاعرنا بداً من الهرب إلى بيروت وعاش في عزلة حتى وافه الأجل.
ومن المحتمل أن يكون الجزار قد أساء الظن بالمترجم له ورفاقه، حتى أن الأمير يوسف الشهابي كان نصيبه القتل شنقاً مع قاضيه وذلك سنة 1790م، وكان عمره أربعون سنة ومدة ولايته ثماني عشرة سنة.
وذكر الأمير حيدر الشهابي في كتابه (حوادث الزمان) بعض أبيات من قصيدة ميخائيل البحري لما كان مسجوناً.
شعره:
إن ديوان شعره الذي نظمه خلال نكبته وسجنه قد ضاع أكثره وبقي منه بعض شذرات ننشرها ليعلم القراء علو مقامه في الأدب، فقد مدح العالم المعروف والشاعر المبدع أحمد البربير من بيروت بقوله:
لولا فضائل أحمد قصّت لنافيها وفي آياتها الأخباروكذاك لولا المعجزات فلم تكنحجت لكعبة فضله الأقطارفأجابه الشاعر البربير، وفي ذلك مما يدل على سمو أدب المادح والممدوح.
أرى الفاضل البحريّ أحيا بفضلهمعالم أبيات درسن من الشعرولا غرو إن حاز الفنون بأسرهاعلى المثل المشهور حدث عن البحرومنها:
لقد أنسني البحري برّي وأهلهفأسمعته عذري ولم أهده شعريفإن لم يكن دراً فذاك نقيصةوإن كان دراً كيف يهدى إلى البحرومن بديع شعره قوله يمدح أبا بكر آغا ميري زاده في حلب سنة 1791م وهي طويلة ومطلعها:
ماست بقد كالغصون تميدورنت بطرف كالظباء تغيدُخود غزت منا القلوب لحاظهافكأنما ضمن القلوب مهندشعره الغنائي:
كان هذا الشاعر الحمصي فناناً بروحه وطبعه، فقد حن إلى حمص وأهله وأحبائه ومرت في خاطره أيامها الخاليات وتذكر عهد صباه فحيا حمص بموشح يعد من غرر الشعر وهذه بعض مقاطعه:
حي ذاك الحي يا ريح الصباوأهيل الحي عني والصباإن قلبي هام فيهم وصبافمتى يسمح دهري باللقايا بريقاً في الدياجي لمعاهيج المحزون حتى أوجعايا سقى الله الحمى ثم رعىيا رعى الله الحمى ثم سقاحبذا حمص وهاتيك الربوعوكرام أشرقوا مثل الشموعيا لعمري هل إليها من رجوعأين أين الربع ثم الملتقىحبذا عيش مضى في ظلهاوزمان قد خلا مع أهلهاأضمر الشوق الغضا من أجلهافي فؤاد جف حتى احترقاومنه:
أحمد البربير من أنشأ الأدبوعلوماً بين عجم وعربوحوى فخراً سما أسمى الرتبقدره ثم السماكين ارتقىوفاته:
وفي سنة 1803م وافته المنية في بيروت ودفن بمقبرة الروم الكاثوليك، وأعقب ثلاثة أولاد نجباء وكلهم اشتهروا بعد أبيهم وهم عبود وحنا وجرمانوس ولكل من أولاده تاريخ مجيد في الأدب والسياسة، ولا بد لنا من الإشادة بفضائلهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محمد العطار

محمد العطار (1717م ـ 1744م) هو ابن عبيد بن عبد الله بن عسكر الشهير بالعطار ...