ميشيل اللّه ويردي

ميشيل اللّه ويردي
(1904م ـ م)
نشأته ودراسته:
هو الأستاذ ميشيل بن المرحوم خليل اللّه ويردي، تنحدر هذه الأسرة من أصل تركي واستوطنت دمشق منذ اربعمائة سنة. ولد سنة 1904م بدمشق ونشأ في أسرة جمعت بين العلم والادب والوجاهة والثراء، وقام على تهذيبه وتثقيفه والده منذ نعومة أظفاره، فتلقى في المدارس الارثوذكسية الذي كان والده مديراً لها، وظهرت مواهبه وتفوق على اقرانه في مراحل دراسته، فأكمل دراسته على معلمين اختصاصيين، وأخذ من أبيه العالم المتضلع قواعد اللغة العربية، وألم باللغتين الفرنسية والانكليزية.
دراسته الفنية ومؤلفاته:
إذا كانت البيئة هي التي تلون العبقريات بألوانها الزاهية فلا شك ان بيئة الأستاذ المترجم له الاجتماعية والثقافية كانت زاخرة بالعلم والفضائل، فانضجت فنه الرائق وشاعريته الخصبة الزاخرة بمعاني الوحي والالهام، هذه الظواهر مجتمعة قد فتحت امام عينيه آفاقاً جديدة في ميدان التأليف، لم يك ناقلاً أو مقتبساً، وانما كان مبتكراً مجدداً، ومن مؤلفاته القيمة، بدائع العروض، العروبة والسلام، الموسيقى في بناء السلام، الانسانية نحو الكمال، وله ديوان شعر سماه (زهر الربا) حوى قصائد متوعة كاسمه الباهر.
زار الأستاذ البلاد الشرقية لاسباب علمية وفنية فأنتجت قريحته الجبارة سفر علمي فني هو (فلسفة الموسيقى الشرقية) وقد قرظه المستشرق البريطاني العلامة الدكتور هنري جورج فارمر بأنه آية المؤلفات العربية من نوعه بلا منازع، عالج فيه المؤلف الالمعي فلسفة الموسيقى العربية، فأظهر للوجود فضلها وأثبت تفوقها ومدى استيعابها للاصوات الطبيعية المختلفة، فرفع لمعالم الفن الشرقي اعلاماً باسقة.
ومن أبرز مواهبه التي تدل على ذكاء نادر وقريحة وقادة، أنه تلقى دراسته الفنية على نفسه، فكان يلتمس المطالعة والنظم والتأليف في ساعات العزلة والتأمل في بيت فسيح نضير، وهو مغرم بالمساجلات والمناقشات ومغرم بان تكون له الغلبة دائماً.
أما قوته في نظم الشعر، فقد انقادت ليراعه القوافي فكانت طوع بنانه، وكفاه شرفاً وفضلاً وشكراً ما حوته خريدته الفريدة (وحي البردة) التي مدح بها الرسول الاعظم من آيات البيان والبديع، تلك القصيدة التي ما قرأها مسلم الا وسالت عبراته خشوعاً وهياماً ومطلعها:
انوار هادي الورى في كعبة الحرمفاضت على ذكر جيران بذي سلمومنها:
يا أيها المصطفى الميمون طالعهقد اطلع الله منك النور للظلمومنها:
اقول للمصطفى اعظم بما ابتدعتآيات برك من خير ومن نعملقد تجلت في روح ناظمها انبل أريحية تختلج في نفس عربي فياضة بشعوره الصادق نحو نبي العرب، فكانت للعاشقين برداً وسلاماً وللبائسين عطفاً وحناناً ولليائسين عزاً وسلواناً وللمثقفين عبرة ونبراساً.
سلمى الحفار الكزبري.
نشأتها وثقافتها:
هي كريمة صاحب الدولة السيد لطفي ابن المرحوم حسن الحفار أحد أقطاب الرعيل الوطني الأول، وفي غمرة من نضاله السياسي المستعر ضد المستعمرين بزغ نجم سلمى في سماء دمشق في أول أيار سنة 1923، فكانت سلواه في كفاحه الوطني الجبار، ترعرعت سلمى في رياض الحبور والسعادة فكانت بسمة الدهر في ظل أبيها الأجل الوارف، تلقت دراستها الإبتدائية والثانوية في معهد راهبات الفرنسيسكان وقرأت القرآن وأخذت دروس اللغة العربية عن أساتذة فاضلين، ومن أبرز مزايا هذه الاديبة اللوذعية أنها كانت خلال دراستها في المعهد الاجنبي تتحدى كل ما يخالف الحق والعقيدة وكان النصر حليفها في كل مواقفها الرصينة، الشريفة بالدفاع عن كرامة قوميتها وعنصريتها.
سلمى رمز اللوعة الروحية. لعل والدها الأجل يدين حقاً بالمذهب الصوفي الفلسفي، فسماها بأحب الأسماء إلى القلوب. هو اسم مركب من لفظ سحري، فيه رنات الطرب والافتتان لقلوب شعراء الصوفية، هو رمز سعيرهم ووجدهم وذروة لوعتهم.
فهؤلاء الشعراء يدركون معنى الخيال في أسرار الحب، وأصبحت (سلمى) المعنوية من رموز اللوعة الروحية في ميدان فلسفتهم الصوفية.
وهذه شذرات تعبر عن مآسي رواحهم وشجونهم، فقد ورد لفظ سلمي في وصف الفيلسوف الصوفي المرحوم الشيخ عبد الغني النابلسي بتخميسه الابيات المنسوبة إلى نجم االدين الاسرائيلي فقال:
قلبي إلى وجه سلمى مغرم عانيوحبّها معدمٌ آثار أعيانيفيا رفيقي حديث الغير أعيانيروّح فؤادي يذكرالنازح الدانيفذكره لم يزل روحي وريحانيوتغنّى الشاعر الصوفي المشهور المرحوم الشيخ عمر اليافي فقال بموشحه:
إن همت بهندٍ أو سلمىفمرادي مشهدك الأسمىوبنور صفاتك والأسمايزداد فؤادي توحيداأما شاعر العبقرية والفن المرحوم الشيخ أمين الجندي فإن موشحاته تكاد لا تخلو من ذكر (سلمى) كأنه يرى في ترديد اسمها المحبب نشوة وسحراً وهذه مقاطع من موشحاته، وقد أكثر فيها من الجناس للبديع:
كُفّي لحاظك يا سلمىوالرفق بمن يبغي سلماوتغنى بموشحه المشهور من نغمة الصبا فقال:
سلمى بمن سلّمتْلمهجتي سلمتْوبالصفا سلمتلي كأسها الحاليةلاحت بوجه سمايفوق بدر السماأما ترى المبسمابدره الحالياوتغنى بموشحه الصبا أيضاً فقال:
سل ما تروم سلمىواحذر لحاظي سلمىمن لي بنيل سليمىمنها ومن يقينيويفصح شاعر الحب والغزل للعذال فيخدرهم القضاء من لحظ سلمى النرجسي فقال:
سلمى الهوى تتجليبكل حسن جليولحظها النرجسيسيف القضا سنوتتغلب عاطفة هذا الشاعر الصوفي فيبوح لنفسه بالشكوى من سلمى فيقول في موشحه:
سلمى التي مالهابين الورى أشكوهل درّ الفاظهايسبي أم الشكفنونها:
وتلقت الفن الموسيقي وعلم النوطة والعزف على البيانو عن فنانين مشهورين وهي تجيد عزف القطع الغربية الشهيرة.
لقد شغفت السيدة سلمى بالفن الموسيقي كما شغفت به من قبلها السيدة سكينة بنت الحسين التي كانت تفتح دارا للمغنين وتأذن للناس بالدخول. أما أديبتنا الفاضلة فدارها كحصن السموأل يرتد عنه الطرف وهو كليل.
مواهبها:
وشاء الله ان يخص السيدة سلمى بالمواهب الكثيرة فامتلكت ناصية اللغة الفرنسية ونظمت قصائد شعرية بديعة. أما نثرها العربي فهو من السهل البسيط الانيق، وحبتها الطبيعة بالمؤهلات الاجتماعية، وسخى جل خالقها عليها بآيات الجمال والكمال، والحديث الساحر، إذا نطقت نثرت لآلىء الدرر، لا تفارقها بسمة أصيلة هي كالزهر بشاشة وائتلافاً، وان ما يرى في سجاياها الجوهرية من تواضع رزين محتشم هو السر المكنون في مواهبها المثالية.
مراحل الأسى في حياتها:
وقد يظن من لا يعرف تاريخ حياة سلمى، انها قد سلمت من نوائب الدهر ومصائبه، فقد جرعها كؤوس الأسى والغصص، إذ فقدت قرينها الوجيه الطرابلسي المرحوم محمد كرامة عام 1944 ولما يمضي على حياتهما الزوجية حول كامل وأنجبت منه ولداً ذكراً اسمه (نزيه) وصهرتها الآلام النفسانية ليسعد المجتمع بما جادت به قريحتها في فترة الحزن والوحدة من أدب ممتع، وفي أواخر عام 1948 اقترنت بالوجيه الدكتور نادر الكزبري وهو من الشخصيات البارزة في الاوساط الاجتماعية وشغل مناصب رفيعة في القضاء ودرّس الحقوق الجزائية في الجامعة السورية وألف كتابين في هذا الموضوع، وأنجبت منه ابنتين هما ندى ورشا.
مؤلفاتها:
بدأت أديبة سوريا اللامعة تنشر مقالاتها وهي في السابعة عشرة من عمرها وكتبت مذكراتها أثناء محاكمة المتهمين باغتيال الزعيم المغفور له الدكتور عبد الرحمن الشهبندر وقد نشرتها في كتاب عنوانه (يوميات هاله) أصدرته في عام 1950 وضمنت في القسم الأول منه صوراً عن الحياة الدمشقية ونشرت في عام 1953 مجموعة من القصص الرائعة صورها خيالها الصافي وعنوانها (حرمان) وقد تداولتهما ايدي الادباء بشغف واعجاب. وقام المستشرق البلجيكي والأستاذ في جامعة بروكسل الدكتور ارمان آيل بترجمة يوميات هاله.
خدماتها الاجتماعية:
أسست في عام 1943 جمعية ثقافية خيرية وهي (مبرة التعليم والمؤاساة) وأدارت أعمالها عاماً كاملاً واشتركت في جمعية الهلال الأحمر النسائية ثم انصرفت عن أعمال الجمعيات المباشرة بسبب مشاغلها المنزلية والتفرغ للادب.
وقد مثلت سوريا في مؤتمر لجنة حقوق المرأة الذي عقد في بيروت عام 1949 وهي اللجنة المنبثقة عن مؤسسة هيئة الأمم المتحدة وطالبت بمنح المرأة السورية حقوقها الكاملة، وكان لآرائها ودفاعها عن المرأة أبلغ الاثر في الاوساط الاجتماعية. وتعتبر في الاوساط الثقافية والاجتماعية من أبرز السيدات الفضليات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محمد العطار

محمد العطار (1717م ـ 1744م) هو ابن عبيد بن عبد الله بن عسكر الشهير بالعطار ...