ميل عرب الجاهلية إلى الوحدة السياسية

ميل عرب الجاهلية إلى الوحدة السياسية
يقول العلامة سديو في كتابه خلاصة تاريخ العرب:
كان بين الإسماعيلية والقحطانية تنافس المعاصرة المؤدي إلى اختلاف الكلمة ثم مالوا إلى الوحدة السياسية لتوفر أسبابها من إغارة الحبشة عليهم بمكة واتحادهم في الأخلاق والعوائد فإن سائرهم تمسك بأوهام العبادة الوثنية والعوائد الجاهلية كمعاملة النساء معاملة الرقيق ووأد البنات مع التكبر الوحشي وحب الانتقام والمقاصة وإجازة النهب بعد الانتصار وإقامة القوة مقام الحق وقري الضيف مع حرمان النفس تشوقاً إلى السمعة بين القبائل وحب شرف النفس الموجب للبسالة والحماسة والمحاماة عن المظلوم وتقديم الوفاء بالوعد على الحياة ويزيد على ذلك شهواتهم النفسية فإنها أكبر تلك الخصال غلبة وظهوراً من ذلك يعلم أنه متى اتجهت عقولهم الهائجة المخاطرة إلى شيء وثبوا إليه وثبة واحدة وذلك يوجب الوحدة في اللغة المتيسر بعضها بواسطة اختلاط القبائل.
ورأوا الأشعار وسيلة لانتشار فخارهم في شبه جزيرة العرب وسبيلاً لوصول أعمالهم العجيبة ومآثرهم إلى ذراريهم فأحبوها وعكفوا عليها لكن كلام مؤلفي نجد والحجاز لم يفهمه مؤلفو اليمن بل لم تتفق قبائل بلد واحد على لغة واحدة إلا أن شعراء العرب الموكول إليهم اختراع لغة أعم من تلك اللغات رويت أشعارهم في كل جهة فتعينت الألفاظ المعدة للدلالة على الأفكار والتصورات فإن العشائر المستعملة للعبارات المختلفة للدلالة على فكرة واحدة متى سمعت قول الشاعر اختارته في ذلك الموضوع وفهمت مع ذلك فوائد التمدن فلذا قابلت الأمة العربية هذه الابتكارات العقلية بالاعتبار وأنشؤوا في عكاظ والمجنة وذي المجاز للمفاخرة بالشعر مجالس حافلة خالية من التحكم على النفوس يقوم أمامها شجاع يمشي مشية المتكبر والأبصار شاخصة إليه حتى يقف على مرتفع من الأرض فينشد مع إنصاتهم قصيدة بصوت رنان يستعين فيها بروية حافظته الواسعة الاقتراح فتارة ينشد أعماله العظيمة ووقائعه الجسيمة وشرف قبيلته وطوراً يصف لذائذ الانتقام وتارة لطائف إكرام الضيف وطورا الشجاعة وفي كل لا يغفل عن مدح شرف النفس والعرض وقد يقتصر على وصف العجائب المشاهدة والعزلة عن الناس في الصحاري وخفة عدو الظباء والسامعون في كل ذلك ناظرون إلى فمه مستحسنون جميع الأخلاق التي يود أن يوزعهم إياها مرتسماً على وجوههم ما يقع بنفوسهم من تعظيم الشجاع واحتقار الجبان عند النزال حتى إذا أتم قوله أظهروا ما عندهم من الاستحسان أو الاستقباح فإذا شهدوا له عاد إلى قول أبدع مما أبداه بحماس جديد.
ولاعتماد أخبار الشعراء وسداد رأيهم كانوا المدونين لتاريخ بلادهم قبل البعثة والرافعين أو الخافضين شأن القبائل المختلفة كما يستصوبون ولذا كانوا مهابين محترمين عند الجميع وكان المقبول من قصائدهم يكتب بالذهب على نفيس القماش ثم يعلق على الكعبة ليحفظ حتى تطلع عليه الذرية فوصل إلينا المعلقات السبع لامرىء القيس المتوفى سنة (540) بعد الميلاد والحرث بن حلزة المولود في هذه السنة وطرفة المتوفى سنة (564)م وعنترة ابن شداد المتوفى سنة (614)م الذي فاق غيره في إتقان جميع أنواع الشعر الجاهلي وعمر المتوفى سنة (622)م التي هي عام ثلاث وأربعين من الهجرة.
كانت العرب تجتمع كل ليلة بخيامهم ليسمعوا هذه المعلقات الجامعة بين محاسن الترنم وحلاوة التوقيع بلا تكلف مع اشتمالها على السجايا العربية المثيرة للحماسة.
وكان هؤلاء الشعراء السبعة وآخرون كالمرقشين والنابغة الذبياني ودريد بن الصمة وحاتم والأعشى يشيرون في أشعارهم إلى وقائع القبائل الساكنة وسط بلاد العرب وأولها واقعة البيضاء سنة (254) بعد الميلاد التي منعت غارات ملوك اليمن ثم فتوحات ملوك كندة الأوائل وفتوحات الحرث ملك الحيرة سنة (518)م ثم نصرات سلان سنة (481)م ونصرات جزاز سنة (492)م التي فاز بها ربيعة وابنه كليب على العرب الحميرية وحرب البسوس بين آل بكر وتغلب الممتدة من سنة(494)م إلى سنة (534)م ونصرات زهير أمير غطفان على هوازن سنة (567)م وحرب داحس الممتدة من سنة (568م إلى سنة 608) بعد االميلاد بين عبس وذبيان اللذين هما أعظم قبائل غطفان وحرب بني تميم وبني عامر سنة (579)م والقتال المشهور بمعركة الرقم والتبعة واللوى وسلي وحوراء الممتد من سنة (609 إلى سنة 615) بعد الميلاد بين بني عبس وبني ذبيان مع هوازن وبعض قبائل من نسل خطفة وحرب بني تميم وبني بكر المنتهية سنة (630) بعد الميلاد التي أسلم فيها هاتان القبيلتان.
ومن عادة عرب البادية التي وجدت بأشعار العرب أن يعقدوا منازلات للفخار والتظاهر بالكرم يسمونها المنافرة كما وقع لعلقمة وعامر بن الطفيل من بني عامر سنة (620)م فإنهما كانا شاعرين شجاعين يزعم كل منهما استحقاقه المشيخة فحكما في تنازعهما شيخاً من غير عشيرتهما فأجل الحكم إلى سنة أظهر فيها شجاعتهما وفضائلهما ثم حكم ذلك الشيخ في مجمع حافل على العادة باستحقاق كل منها الرياسة على العشيرة فاشتركا في الحكم واتحدا كل الاتحاد ومن ذلك كان من بني طيء من التنافس بين حاتم وزيد الخيل المضروب بكرمها المثل في ابتداء القرن السابع من الميلاد في سائر شبه جزيرة العرب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أصل العرب

أصل العرب أصل العرب من اليمن من بنو قحطان العرب العاربة ولكن يقول العلامة سديو ...