نشأة المدن الأوروبية المعاصرة

نشأة المدن الأوروبية المعاصرة



عاشت
أوروبا في القرن الثاني عشر الميلادي ظروفًا مستجدة، وذلك نتيجة لمجموعة من
التطورات الاجتماعية والاقتصادية بها، فإن النظام الإقطاعي الذي عاشت فيه أوروبا
طوال القرون الماضية بدأ يفقد عناصر بقائه، لقد كانت الفروسية وقدرة الفارس المحارب
المسلح مناط التميز في الحياة الأوروبية، وعلى أساسها تمنح الإقطاعيات، ومن خلال
غنائم المعارك وعوائد الإقطاعيات تتحدد ملامح الحياة الاجتماعية والاقتصادية، ولكن
في القرن الثاني عشر انطفأت فرحة الحملة الصليبية الأولى، وصار إعداد الجيوش ذات
التسليح المعدني الثقيل عبئًا على الملوك والأمراء، وصار الإنفاق العسكري بدون عائد
يستحق العناء، وفي نفس الوقت ينشط التجار في عقد صفقات هائلة ذات أرباح طائلة، وذلك
بسبب نشاط التجارة بين الشرق والغرب، كما حققوا أرباحًا كبيرة في عمليات الإمداد
والنقل العسكري للحملات الصليبية من الموانئ الأوروبية إلى المشرق الإسلامي، وبذلك
ظهرت قوة اقتصادية تريد أن تجد لنفسها مكانًا في ظل الأوضاع الإقطاعية، وفي ذات
الوقت تزايدت الضغوط المادية على طبقة الإقطاعيين من استمرار مستوى حياتهم بمظاهر
الفخامة والإسراف والبذخ، وضعف الموارد، سواء من الإقطاعيات التي فرَّ أغلب
فلاحيها، أو من الحروب بسبب الهزائم في المشرق الإسلامي، وغلبة السلام بين
المقاطعات الأوروبية. وكرس هذا الوضع فترة السلام الطويلة في القرن الثالث عشر
الميلادي.
بدأ التجار يبحثون عن وسائل استقرار لأوضاعهم في أوروبا، ومن ثَمَّ بدأ بعض التجار
باستحداث وسيلة المعارض المُجَمِّعة أو السوق كوسيلة عرض للبضائع، وليس الأمر كما
يتبادر للذهن أنها أسواق تعقد وتنفض في القرى، ولكنها أسواق تقام بجوار احد قصور
النبلاء أو الأمراء، وتكون في حمايته، وفي مقابل ذلك يحصل الأمير على ما يحتاجه، أو
يتم ذلك مقابل رسوم يتم الاتفاق عليها، وبذلك تكون موردًا ماليًّا لهذا الإقطاعي،
ومصلحة للتجار لترويج بضائعهم في حماية تامة من النهب أو الإغارة أو السرقة، ومن
أشهر هذه الأسواق أو المعارض أسواق شامبني في إقليم شامبني بوسط أوروبا، وكانت
الأسواق تسير وفق نظام دقيق، وفي مدة معينة لكل نوع من السلع، بحيث تستغرق العام
كله دون تعارض بينها، أو تضارب مع الأسواق الأخرى بالأقاليم، وكانت تقام الأسواق
عادة على طرق التجارة البرية، وهي التي اشتهر في مجالها اليهود، وصار اليهود خبراء
طرق التجارة البرية، وكذلك أرباب الأسواق، وبالتالي أصحاب الاتفاقات مع الإقطاعيين،
وزاد اعتماد النبلاء عليهم ماليًّا، ما بين رسوم الأسواق وقروض المدى القصير (وزاد
من احتكار اليهود لمسألة القروض تحريم الكنيسة القاطع للتعامل بالربا)، ونشأ مع
الأسواق بدء نظام الصيارفة، وهي وظيفة وجدت مع الأسواق، وسبب وجودها أن للإقطاعي أو
الأمير حق إصدار نقود باسمه وبمعرفته، وبالتالي تعددت النقود داخل السوق، ومن ثَمَّ
وجدت ضرورة استحداث نظام لتحديد قوة شراء كل عملة، ومن ثم كان الصَّرَّاف (اليهودي
غالبًا) الذي يستبدل النقود بحسب كل سوق، ثم أضيفت للصراف مهمة جديدة، وهي حفظ
أموال بعض الأفراد عنده، على أن يقوم بصرف مبالغ منها لكل من يأتيه بصك – متفق عليه
– من البائعين (وهو ما يشبه نظام الشيك البنكي اليوم)، وبدأ يتطور نظام حفظ الأموال
لدى الصيارفة؛ ليقوم هو بإقراضها مقابل فائدة لصاحب المال، وبالتالي لا يتعرض صاحب
المال لأي عقوبة من الكنيسة، وبالتالي بدأ يولد ما عرف بعد ذلك باسم البنك،
وبالتالي زاد من سيطرة اليهود على الأموال والأسواق، ولكن ما زال النظام العام لا
يعترف بهم في الأوضاع الاجتماعية (ومن أراد أن يعرف نظرة الأوروبيين لليهود رغم
سيطرتهم المالية فليقرأ رواية تاجر البندقية لشكسبير)، ولعلك تسأل: هذا كلام جيد،
ولكن أين قصة نشأة المدينة؟ فأجيب عنك الآن قصتها… قد عرضنا في السطور السابقة
مسألة استقرار الأسواق بجوار قصور النبلاء، ومن الجدير بالذكر أن هذه القصور كانت
تأخذ شكل القلاع الحصينة، وذلك لحماية أسرة وحاشية هذا النبيل من غارات منافسيه،
وهذه القلعة كان يطلق عليها باللاتينية "البورج" "burg"، وعند استقرار السوق بصورة
دائمة بجواره كان لا بد من منازل لهؤلاء التجار ومستودعات للبضائع، فسمح الإقطاعي
ببناء هذه المنازل ليضمن استمرار السوق واستمرار مورده المالي، وكان لا بد من سور
لحماية هذه المنازل والمستودعات، فكان يبني سورًا على شكل شبه دائري وحوله خندق
مائي، وعليه توضع قنطرة ترفع ليلاً، وبالتالي بدأت نواة المدن التجارية، مثل بلاد
أرض الفلاندرز التي كانت أشهر المدن التجارية، وهي التي تجد في ذيل اسمها (حاليًا)
"بورج" مثل هامبورج، وقد أطلق على التجار القاطنين بها "البورجوازية" (وهي اللفظة
ذات المدلول في الفكر اليساري والاشتراكي الآن)، وقد كانت هذه المدن ذات شوارع ضيقة
مظلمة قذرة، ومنازل ضيقة متلاصقة؛ إذ إن المنازل لم تكن في بدايتها أكثر من استراحة
للتاجر حتى نهاية السوق، ثم صارت محل استقرار دائم لمن يشاء من التجار، تحت رعاية
وحماية الإقطاعي صاحب الأرض، ومع زيادة نشاط السوق، سعى (اليهودي) صاحب السوق إلى
زيادة مكاسبه من إيجار المنازل، وبدلاً من التوسع الأفقي في بناء المنازل، لما
يترتب عليه من زيادة تكاليف الأسوار، وزيادة الضرائب؛ كانت التوسعات الرأسية حلاًّ
مثاليًّا، فتعددت أدوار المباني، وعندما زاد الأمر أصدر بعض الأمراء قرارات بتحديد
الارتفاعات في المباني، ومع زيادة القادمين ونشاط التجارة والأسواق، تزايد السكان
من غير التجار مثل الحمالين والصناع وغيرهم، وبدأت هذه المدن الجديدة تسعى لتنظيم
الحياة فيها والاستقلال عن الإقطاعي الحامي والراعي لها، وقد سبقت في هذا المضمار
المدن الساحلية مثل البندقية وجنوا وغيرها، وقد استخدم أصحاب الأموال أموالهم في
شراء الامتيازات المتتالية لسكان المدينة، وقد سعى الكثيرين بسبب هذه الامتيازات
إلى ما يسمى "حق المواطنة" لهذه المدن، وقد وضعت شروط للحصول على هذا الحق، مثل
الإقامة بها لمدة عام، أو شراء عقار، أو استثمار حجم معين من المال بها، ثم بدأت
هذه المدن في السعي للحصول على ما يقرب من الحكم الذاتي، والدستور المنظم لكافة
شؤونها الداخلية، وقد تراوح هذا السعي ما بين دفع الأموال الباهظة، أو استخدام
القوة العسكرية ضد المعارضين لهذا الوضع الجديد، وللوصول إلى هذا اضطرت أحيانًا
المدن إلى تكوين روابط تعاهدية فيما بينها، مثل التي قامت بين مدن منطقة الفلاندرز
وغيرها من المناطق، ومع تنامي الحركة التجارية البرية والبحرية؛ قويت شوكة التجار،
وصاروا يرفضون مظاهر الاحتقار والامتهان من النبلاء والإقطاعيين ودفعوا عجلة
التغيير الاجتماعي والاقتصادي في أوروبا كلها، من خلال حصولهم على البراءات والعهود
الإعفائية للمدن، وضمان حرية الأرض التي نشأت عليها المدينة واستقلالها الاقتصادي
والقضائي ثم السياسي، وزادت روح الانتماء للمدينة أكثر من الوطن، ولم تُلْغِ هذه
المدن الطبقية، بل على العكس كرست طبقية جديدة، ومحور هذه الطبقية القوة
الاقتصادية، ومع بدء حركة طرد اليهود من كثير من هذه المدن لظروف ليس هذه السطور
محل إيضاحها، بدأ المسيحيون العلمانيون الإمساك بخيوط الحركة في هذه المدن، مما دفع
بالصراع مع الكنيسة والرغبة في الثورة على النظم الإقطاعية والملكية الوراثية إلى
منحى جديد، وأحداث لها حديث آخر، وقد اتجهت المدن القديمة إلى نفس الطريق؛ وذلك
رغبة في الحصول على ذات المكاسب التي حققتها المدن التجارية، وهذا بطبيعة الحال
ولَّد أسواقًا جديدة، وحرك الصناعات المحلية في كل مدينة مع اتساع حركة التجارة،
وربطها بالمدن الجديدة، فيتولد نفوذ للتجار في هذه المدن، وبالتالي تبدأ الأحداث
فيها ترتبط بمصالح ورغبات الطبقة الجديدة، الطامحة إلى أوضاع جديدة، وهذا ما كان
بعد حين.
 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أصل العرب

أصل العرب أصل العرب من اليمن من بنو قحطان العرب العاربة ولكن يقول العلامة سديو ...