يوسف بن يعقوب عليهما السلام

يوسف بن يعقوب عليهما السلام
لقد كان يوسف محسوداً بين إخوته وذلك لمحبة أبيه الخاصة له ولأخيه من أمه بينامين، فتآمروا وتشاوروا فيما بينهم لإيجاد طريقة ما للخلاص من يوسف، فاقترح اكبرهم وهو روبيل«لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة» أي أحد المسافرين فهو حل أقرب حالاً من قتله، فأجمعوا على ذلك، وطلبوا من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم يوسف وأظهروا له انهم يريدون أن يرعى معهم وأن يلعب ويلهو، فأجابهم والدهم بأنه يصعب عليه مفارقته وهو يخاف عليه أن يتركوه فيأكله الذئب، فجاوبوه وكيف يقتله ونحن جماعة معه، وألحوا في طلبهم وكان لهم ما أرادوا، فما أن غابوا عن والدهم حتى راحوا يشتمونه ويهينونه وأجمعوا على إلقائه في البئر.وهذا ما حصل، فتركوه بالجب وأخذوا قميصه ولطخوه بدم شاة ذبحوها وأتوا به أباهم يبكون، وقالوا له ما أنت بمصدقنا أن الذئب قد أكل يوسف لأنك قد أنذرتنا هذا.إلا ان فعلتهم هذه لم تنطل على أبيهم، فإنه كان يفهم عداوتهم له وحسدهم إياه، وقد كان يعرف مكانة ابنه يوسف بعدما قص عليه ابنه أنه رأى إحدى عشر كوكباً والشمس والقمر له ساجدين، فقد أدرك أن مآل إخوته جميعاً بالنهاية له وهو سيكون سيدهم ورئيسهم ولهذا:«قال بل سولت لكم انفسكم أمراً فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون». وأما يوسف فقد مرت قافلة بالجب فوقفوا يريدون ماءً فأدلوا دلوهم فإذا بغلام صغير، فأخذوه معهم إلى مصر، وباعوه هناك بثمن قليل إلى العزيز، وكان وزير ملك مصر وكان اسمه أطفير بن وحيب. وكان اسم الملك يومئذ الريان بن الوليد. وكانت زوجة العزيز واسمها راعيل ولقبها«زليخا» فقال لهاأكرمي مثواه وأحسني تربيته عسى أن ينفعنا. وكبر يوسف وشبّ في منزل العزيز وكان عليه السلام آية في الجمال والبهاء وحسن الطلعة فأعجبت به زليخا وقررت أن تحظى به فراودته عن نفسه بعد أن تزينت له ولبست أجمل ثيابها، إلا أنه قال لها:وكيف أقوم بهذا الأمر وأنت زوجة من أكرمني وآواني ورباني، وحأول الهروب منها فلحقته إلى الباب تريد منعه فإذا بالعزيز يفتح الباب ويفاجأ بما رأى، فاستبقت زليخا الكلام وقالت لزوجها: يجب أن يعاقب يوسف على ما كان يريد فعله معي فقال له سيدنا يوسف هي التي راودتني وأنا كنت أهرب منها، وكان مع الوزير رجل من الأقارب وكان مقتدرا وقوراً فشهد أنه إذا كان قميص يوسف قد مزق من الإمام فإن زليخا صادقة، ويوسف هو الكاذب وإن كان قميصه قد مزق من الخلف إنما تكون هي الكاذبة وهو من الصادقين وهذا ما حصل فعلاً، عندها أدرك العزيز ما حصل منها وأنكره عليها وطلب منها ان تستغفر من ذنبها كما طلب من يوسف أن لا يذكر هذا الأمر لأحد من الناس.إلا ان خبراً كهذا لا بد أن يسري في المدينة وعلى ألسن النسوة تحديداً فرحن، يتهامسن أن امرأة عزيز مصر تراود فتاها، ماذا حصل لها؟ عندها قررت زليخا دعوة هؤلاء النسوة إلى مائدة عندها وقدمت لهن بعض الفواكه التي تحتاج إلى سكين لأكلها، وبينما هن كذلك طلبت من يوسف أن يخرج عليهن، وعندما رأينه أعظمنه وأجللنه وبهرن بحسنه حتى أنهن انشغلن به عن أنفسهن وجعلن يحززن أيديهن بالسكاكين من غير أن يشعرن بالجراح، عندها قالت لهن زوجة العزيز هذا الذي لمتنني فيه، ولقد راودته أنا عن نفسه إلا أنه رفض وإن لم يقبل فسيكون لي شأن آخر معه. إلا ان سيدنا يوسف أبى أشد الإباء وهو نبي من سلالة الأنبياء فدعا ربه قائلاً:رب السجن أحب إلى مما يدعونني اليه، وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن واكن من الجاهلين» أي وكلت نفسي إليك فاعصمنى وأبعدني عن شرهن ومكرهن وكيدهن فإنه لا يصرف عن الشرور إلا أنت.عندها ارتأى العزيز وزوجته ان يسجنا يوسف لفترة من الزمن حتى تنسى قصته وترفع من ألسنة الناس. وسرى أمر الله ودخل يوسف السجن الذي هو أحب إليه من كيد النساء وأفعالهن، وفي هذه المرحلة أعطي يوسف علم تفسير الأحلام والرؤيا وكانت معجزته التي احجبت كل من في زمانه، ووصل معه الى السجن رجلان كانا من خدام الملك فاتهمهما في بعض الأمور وسجنهما، فأعجبا بيوسف وسمته وهديه وكثرة عبادته لربه، فرأى كل واحد منهما رؤيا وقصّها على يوسف على أمل ان يفسرها لهما. أما الأول وكان ساقي الملك فرأى كأنه ثلاث قضبان من الكرمة قد أورقت وأطيت العنب فأخذها وعصرها وقدمها للملك، وأما الثاني وقد كان خبازاً فرأى على رأسه ثلاث سلال من خبز، وضواري الطيور تأكل من السل الأعلى، فقال يوسف سأخبركما بما رأيتماه وبما سيحدث لكما وهذا من فضل الله وعلمه،ودعاهما لعبادة الله وتوحيده، أما الأول وهو الساقي فإنه سيخرج وسيسقي الملك خمراً. وأما الثاني فإنه سيصلب وستأكل الطيور من رأسه وهو الخباز. وهذا ما حصل وقد وصى سيدنا يوسف الساقي أنه عندما يخرج فليحكِ للملك قصة يوسف علّه يخرجه من سجنه هذا. إلا أن الساقي نسي هذا الأمر وسهى عنه، فلبث يوسف في السجن بضع سنوات قيل سبع الى أن جاء يوم طلب الملك الريان بن الوليد من وزراءه وخاصته أن يفسروا له ما أبصر في منامه، وكان قد رأى سبع بقرات سمان أكلهن سبع بقرات عجاف، وسبع سنبلات خضر أكلهن سبع يابسات، فعجز الجميع عن تفسير هذه الرؤيا، وعندما أصّر الملك على تفسير الرؤيا فطن الساقي لأمرسيدنا يوسف، فقال أنا من سيعرف معنى هذه الرؤيا وقصد يوسف في السجن وذكر له هذه الرؤيا فأخبره سيدنا يوسف عن وقوع سبع سنين من الخصب يعقبها سبع جدب، ثم يأتي بعد ذلك سنة يغاث فيها الناس، فأرشدهم على الخير ودلهم عليه وما يجب عليهم أن يقوموا به في حالتي الجدب والخصب. وقد أعجب الملك بهذا التفسير، فطلب رؤية يوسف وعرف أنه كامل المعرفة على قدر جيد من الفهم والرأي السديد فأمر بجعله من أهم وزراءه وخاصته، وعندما خرج يوسف أراد أن يعلم الملك أنما قد سجن ظلماً وعن غيرحق فطلب من الملك إحضار العزيز وزوجته للشهادة، عندها اعترفت زليخا بالحقيقة وبما دبرت ليوسف من المكائد لتوقع به في حبائلها إلا أنه استعصم واشتد بالرفض وفضل السجن على المعصية، عند ذلك رفع الملك من مكانته وجعله وزيره الأول وجعل كلمته نافذة على كل البلد ومكنه من خزائن البلد والتجارة. وعندما جاءت السنوات العجاف كان يوسف يشرف على التجارة في السوق بنفسه فرأى إخوته وعرفهم من هيأتهم، إلا أنهم لم يعرفوه لمكانته الرفيعة ولتغير هيأته فأتوا إليه وسلموا عليه وعرضوا عليه حالهم وحال أبيهم وأخيهم الأصغر وطلبوا منه أن يعطيهم من الميرة كما هي العادة حمل بعير لكل واحد منهم.فأعطاهم ما أرادوا إلا أنه اشترط عليهم أن يحضروا معهم أخاهم الأصغر بنيامين، في العام القادم وإلا فإنهم لن ينالوا نصيبهم، وأمر رجاله بأن ترجع بضاعتهم إلى أصحابهم سراً، وقد فعل ذلك خوفاً عليهم من أن لا يكون عندهم زاد يكفيهم إلى العام القادم. وعندما رجع إخوة يوسف إلى أبيهم أخبروه بما حدث معهم، وما اشترطه عليهم الحاكم كي يعطيهم نصيبهم في العام القادم. فأخذ يعقوب من أولاده آكد المواثيق من أنهم سيحفظون أخاهم وسيعودون به سالماً وأمرهم أن لا يدخلوا المدينة من باب واحد لأنهم على أشكال حسنة مخافة الحسد، وطلب منهم أن يدخلوا من أبواب متعددة. فأتوا يوسف وأعطوه أخاهم بنيامين فأجلسه معه وأخبره سره، ثم احتال عليهم وأخذه منهم، فأمر فتيانه بوضع سقايته وهي التي كان يكيل بها للناس في متاع بنيامين، ونادى المنادي أن سقاية الملك سرقت وأن من تكون معه فسيحبس وبدأ بأحمالهم إلى أن وصلوا الى حمل بنيامين وأخرجوا منه السقاية، عندها لم يستطيعوا أن يقولوا شيئاً، وجاؤوا إلى يوسف وعرضوا عليه أن يبقي واحد منهم بدل بنيامين وأخبروه قصة والدهم مع أخيه الأكبر الذي فقده وما حصل له معهم، وما اشترط عليهم عند اصطحابهم بنيامين معهم. إلا أنه رفض كل ذلك إلا أن يبقي بنيامين عنده. وهكذا عادوا إلى أبيهم خائبين وأخبروا أباهم بما حصل معهم وطلبوا منه أن يسأل من كان معهم من التجار ان كان لا يصدقهم. عندها طلب منهم يعقوب أن يعودوا ويبحثوا عن يوسف ويحضروا معهم أخاهم بنيامين. فجاؤوا الى أخيهم وأخبروه ما حصل مع والدهم وطلبوا منه بنيامين عند ذلك أخبرهم بالحقيقة التي يجهلونها فاعتذروا منه واستسمحوه، فسامحهم وعفا عنهم وأعطاهم قميصه وأمرهم ان يعودوا أدراجهم ويلقوا بالقميص على وجه أبيهم فيرتد بصره وليأتوا به إلى مصر، وهذا ما حصل فقد شم يعقوب رائحة ابنه يوسف قبل ان يعطوه القميص، فألقوه عليه فارتد إليه بصره واستغفر لهم وشكر الله على صنيعه، فأخذوه وأهليهم جميعاً وجاؤوا مصر فخرج يوسف والملك وجميع الحاشية لاستقبال نبي الله يعقوب خدمة ليوسف وتعظيماً لنبي الله يعقوب، عندها دعا يعقوب للملك، فرفع الله عن أهل مصر بقية الجدب ببركة قدومه إليهم والله أعلم. وقد ورد أنهم دخلوا مصر وعددهم ثلاثمائة وتسعون شخصاً وخرجوا مع سيدنا موسى وهم أزيد من ستمائة ألف مقاتل.فرفع يوسف أبويه الى العرش وسجد له الأبوان والأخوة وبذلك يكون حلم يوسف قد تحقق وعاشوا حياة رغيدة في مصر وقد بقي يعقوب عند ابنه يوسف سبع عشرة سنة ثم توفي وله من العمر مائة وأربعون سنة، وكان أوصى يوسف ان يدفنه في مغارة حبرون حيث دفن أبوه وجده عليهم الصلاة والسلام وقد خرج يوسف الى بلاد فلسطين حيث قام بدفن والده وأقام العزاء هناك سبعة ايام وعاد وأخوته الى مصر، وكان عليه السلام يدعو آخر حياته بالموت على الإسلام وحسن الختام بعدما اعترف بعظيم احسان الله له وفضله عليه وسأله اللحاق بعباده الصالحين وعندما حضرت يوسف الوفاة أوصى إخوته أن يحمل معهم عند خروجهم من مصر ليدفن في مدفن آباءه، فحنطوه ووضعوه في تابوت وبقي في مصر الى أن أخرجه معه موسى عليهم الصلاة والسلام ودفنه عند آبائه رحمهم الله.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نوح عليه السلام

نوح هو نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ ـ وهو إدريس ـ بن يرد ...